منبر العراق الحر :
وقفتُ عند البحر،
كما تقفُ عاشقةٌ على حدود الكبرياء،
الشمسُ تنزفُ فوق الماء،
تخلعُ قرصها الأحمر
كأنها امرأةٌ عائدةٌ من خيبة حب.
الموجُ كان هائجًا…
الريحُ تلهو بثيابي،
وأنا…
أتأمّل هذا العالم الغبي،
الذي ظننتُ يومًا أن الحبّ فيه حياة.
يدٌ ناعمةٌ،
كأنها ذاكرتي،
لامست كتفي.
التفتُّ…
فكانت هي.
امرأةٌ
تشبهني حتى الوجع،
عينان بندقيتان…
تطلقان النار والحنين معًا،
شَعرٌ كستنائيّ،
يشتهي أن يتدلّى على خدي،
جسدٌ…
منحوتٌ من رغبةٍ وغياب،
وفمٌ صغيرٌ…
كأنّه حبةُ كرزٍ تمردتْ على القصيدة.
قالت لي:
“لماذا خذلتِني؟
لماذا جعلتِ قلبي
صندوق بريدٍ فارغ،
تأتيه الرسائل… ولا يرد؟
لماذا كنتِ جميلةً فقط حين أردتِ الخداع؟
ولماذا كنتِ عاشقةً فقط حين أردتِ التجربة؟”
قلتُ،
بصوت امرأةٍ
فقدتْ قدرتها على الكذب:
“من أنتِ؟”
ضحكتْ…
ضحكةً تشبه نزف العاشقات بعد منتصف الخيانة،
وقالت:
“أنا أنتِ…
حين كنتِ أنثى كاملة،
تشرب الحب كالنبيذ،
وتسهر على وسادة الانتظار.
أنا التي خنتِها
لأنها صدّقت الحكاية،
وأحبّت بصدق،
وبكت بصدق،
وماتت بصدق.
أنا التي كتبتِ على جسدها قصيدة…
ثم مزّقتِها أمام المرآة.”
ارتجفتُ…
ركضتُ…
كل ما فيّ كان يهرب منّي.
حتى اسمي…
نسيتُ كيف يُكتب.
وصلتُ البحر،
ركعتُ للموج،
ونظرتُ في الماء.
فرأيتُها…
تحدّق فيّ.
وهمست:
“أنا التي قتلتُني.”
منال السويفى
منبر العراق الحر منبر العراق الحر