منبر العراق الحر :
شهيدة وطن … بقلم: رانية مرجية
لم تكن تحمل سلاحًا.
لم تكن ترتدي كوفية، ولا ترفع شعارات.
كانت تحمل حقيبة صغيرة، وحلمًا أكبر من المسافة بين قريتها وسور السجن.
اسمها “ميس الريان”.
طالبة جامعية عادية، تشبه شجر التين حين يخضرُّ رغم الحصار، وتحب الزعتر أكثر من الحب.
هادئة، لكن في عينيها نارٌ تعرف كيف تنتظر.
كانت تكتب رسائل إلى نفسها، تخبّئها في علبة معدنية خلف الدار،
كل رسالة تبدأ بجملة واحدة تكرّرها كتعويذة:
“أنا لست خائفة، لكنني وحدي.”
في صباح الأربعاء، دخل الجنود القرية.
كسروا البيوت والمرايا والأمان.
أوقفوها في طريقها إلى الجامعة.
فتشوا حقيبتها.
وجدوا كتابًا في “الهوية الفلسطينية”، ومنديلًا مطرزًا بخيوط أمها.
ضحك الجندي وسألها بازدراء:
– “أين السلاح؟”
قالت له بثبات:
– “هويتي وحدها تكفي لتخيفك.”
ألقوا القبض عليها.
وفي التحقيق…
سألوها عن الشباب، عن الأسماء، عن المقاومين.
أجابتهم بهدوء يشبه النصل:
“كل واحد منهم، يحمل الله على كتفه.”
فأطلقوا عليها لقب “المجنونة”.
مرت شهور من العتمة والعذاب.
لم تعترف.
لم تنهار.
لم تتراجع.
وفي ليلة ماطرة، أُخرجت من الزنزانة للتنظيف.
اقترب منها جندي شاب، لم تره من قبل.
قال لها همسًا:
– “ليش ما بتستسلمي؟”
أجابت كمن يلقي وصيته الأخيرة:
– “أنا الوطن… والوطن لا يتراجع، بل يُؤخذ أو يُستشهد.”
تجمّد.
أخرج قطعة شوكولاتة من جيبه.
ناولها إياها، ثم همس:
– “أنا ياسر… ابن عمك.”
شهقت.
كان آخر عهدها به طفلة في العاشرة، قبل أن يهاجر بلا وداع.
قال:
– “أنا عميل. نادم. سأهربك الليلة. فقط لا تموتي.”
وهزت رأسها دون أن تجيب.
⸻
في الفجر، عُثر على جثتين قرب السور:
جندي مقتول،
وفتاة فلسطينية مشوهة الوجه،
وبجوارها ورقة مبلّلة بالدم والمطر، كُتب عليها:
“أنا لست خائفة، لكنني وحدي… وهذه وحدتي ثمنها حرية وطن.”
أعلن الاحتلال أنها انتحرت.
لكن الحقيقة؟
دفنت معها جثة فتاة أخرى كانت قد ماتت تحت التعذيب.
ميس؟
لم تمت.
غيّرت وجهها، واسمها، وهويتها،
وغادرت البلاد في شتاتٍ جديد.
في أوروبا، أصبحت شاعرة تُدعى “ريّا”،
تكتب عن “ميس” وكأنها امرأة أخرى، بطلة، أسطورة، شهيدة.
وكل قصائدها تبدأ بالجملة ذاتها:
“أنا لست خائفة، لكنني وحدي.”
⸻
وحين سُئلت في أحد المهرجانات الأدبية عن مصدر الإلهام،
قالت:
“ميس ليست شهيدة فقط…
بل وطن استُشهد وقرر أن يُبعث من جديد في جسدي.”
===========
نبض موجز
✍️ بقلم: رانية مرجية
قميص أبي
لا يزال في الخزانة
يفوح
برائحة
لم يودّعني بها
تأمل:
ما الذي يتركه الغياب؟
أحيانًا لا يترك لنا الغياب سوى رائحة…
رائحة تختصر عمرًا من الحضور،
وربما تختزل وداعًا لم يُكتب له أن يُقال.
قميص أبي ليس قطعة قماش،
إنه آخر ما تبقّى من حضوره،
من دفئه الذي لم يتسنَّ لي أن أختتمه بنظرة أو بكلمة.
إنه يعلّق الذاكرة بين ما هو حيّ وما هو راحل،
ويبقيني معلّقة على مشجب السؤال الكبير:
لماذا لم يودّعني؟
حين تأخرت
طرقتُ الباب
لكنني
كنتُ أنا من غادر
لا من عاد
تأمل:
نطرق الأبواب أحيانًا بحثًا عن أنفسنا،
عن ماضينا، عن غرفة كنّا نعتقد أنها لا تزال تسكننا.
لكننا نكتشف، بعد لحظة صدق مؤلمة،
أننا لسنا العائدين، بل الذين غادروا منذ زمن،
من دون أن يلتفتوا إلى صوت الباب حين أغلقوه.
في هذه الومضة، أحاول أن أقول:
كم من مرة بحثنا عن العودة لنكتشف أن الرحيل كان في داخلنا؟
أننا لم نعد نملك حتى مفاتيح العودة؟
هي لحظة صادمة…
لكنها ضرورية لنبدأ من جديد.
وصية نائمة
لم أفتح الرسالة
لكنني
بكيتُ
كما لو قرأتها
تأمل:
ثمة رسائل لا تحتاج أن تُفتح،
هي تحوي أسرارها في وزن الظرف،
في خَتمه المرتجف،
وفي إحساسنا بأن الكلمات في الداخل موجعة جدًا لقراءتها.
البكاء هنا ليس حزنًا فقط،
بل اعتراف ضمني بأننا نعرف…
نعرف ما أراد قوله الراحل،
وما كنا نتجنبه خشية أن يتحول إلى حقيقة.
أنا بكيت،
لأن الرسالة كانت ثقيلة بالحقيقة،
وكنت أضعف من أن أقرؤها،
لكنني لم أكن أجهلها.
خاتمة:
هذه النصوص الثلاثة، وإن بدت وجيزة،
إلا أنها تجسّد في اختزالها صوتًا داخليًا طويلًا…
نبضًا لم ينقطع، حتى وإن خفت،
وملامح حزن عتيق
لا تزال تلوّح لنا من وراء الأشياء:
من قميص، من باب، من ظرف مغلق.
الوجع لا يحتاج إلى حكاية طويلة.
يكفي أن نلامسه في تفاصيل صغيرة
لنغرق في بحر من المعاني التي لم تُقل.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر