الدين حاضر … لكن الإنسان غائب أخلاقيًا … عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

لا تطلب من الدين أن يُصلح مجتمعًا فقد أخلاقه، ولا تُحمِّل الخطاب الديني مسؤولية إنقاذ منظومة قيميّة جرى تفكيكها من الداخل قبل أن تظهر شقوقها في السلوك. فالدين، في جوهره، ليس جهاز إنعاشٍ أخلاقي يعمل قسرًا، ولا وصفةً سحرية تُسكب على جسدٍ حضاريٍّ متآكل فتُعيد إليه الحياة، بل هو خطاب موجَّه إلى ضميرٍ حيّ، وإلى إنسان يملك حدًّا أدنى من الاستعداد الداخلي للتزكية والمراجعة والتغيير. من هنا تتكشف المعضلة الحقيقية: ليست في غياب الدين، بل في غياب الإنسان أخلاقيًا، لأن الدين يمكن أن يكون حاضرًا في النصوص، وفي المساجد، وفي الخطب، وفي الشعارات، وفي الذاكرة الجمعية، ومع ذلك يغيب أثره حين يغيب الإنسان القادر على استقبال معناه وتحويله إلى سلوك.
نحن نعيش مفارقة قاسية؛ إذ يتضاعف حضور الخطاب الديني شكليًا، بينما يتراجع حضور القيم عمليًا. نسمع كثيرًا عن الإيمان، ونرى قليلًا من الأمانة، ونقرأ كثيرًا عن التقوى، ونلمس نادرًا أثرها في المعاملة. وحين يصبح الكذب مهارة اجتماعية، والانتهازية ذكاءً، والاحتيال شطارة، والوقاحة جرأة، والتفاهة نجومية، ندرك أن الأزمة تجاوزت سؤال التدين إلى سؤال الإنسان نفسه، إلى إنسان فقد بوصلته القيمية، ولم يعد يشعر بحرج داخلي وهو يخطئ، بل ربما يشعر بالفخر لأنه استطاع أن يلتفّ على القيم ويكسرها.
إنّ المجتمع الذي يصفّق للتافهين، ويرفع عديمي الكفاءة إلى الصدارة، ويسخر من الجادّين، ويهمّش أصحاب القيم، لا يمكن أن يُنتج استقامة دينية حقيقية، لأن الدين لا ينبت في أرضٍ تحتقر الفضيلة، ولا يزدهر في بيئة تكافئ الرذيلة. فقبل أن نسأل: لماذا لم يُصلح الدين المجتمع؟ علينا أن نسأل: هل ما زالت في المجتمع تربة أخلاقية صالحة لاستقبال الدين؟ هل ما زال هناك حدّ أدنى من الحياء، ومن الاعتراف الداخلي بأن بعض الأفعال خاطئة حتى لو صفق لها الجميع؟
نحن نطالب الدين بالإصلاح، بينما الأسرة غائبة عن دورها التربوي، والمدرسة منهكة، والإعلام يروّج للسطحية، والثقافة العامة تمجّد الاستهلاك والفراغ، ثم نلوم الدين لأنه لم يصنع إنسانًا فاضلًا داخل منظومة تعمل ليلًا ونهارًا على تفريغ الإنسان من معناه. وهذه مفارقة غير عادلة، لأن الدين لا يعمل في الفراغ، ولا يخاطب فراغًا، بل يخاطب إنسانًا يشعر بالذنب حين يخطئ، لا إنسانًا يبرّر خطأه، ويخاطب من يراجع نفسه، لا من يتباهى بانحرافه، ويخاطب من يبحث عن معنى، لا من يعيش على هامش المعنى.
وحين تغيب الأخلاق، يتحوّل الدين إلى طقوس بلا روح، وإلى ألفاظ بلا أثر، وإلى مظهر اجتماعي لا أكثر. يصبح التدين شكليًا: صلاة بلا سلوك، وصوم بلا أمانة، وحج بلا عدل، وذكر بلا تغيير. وهذه أخطر صور التدين؛ لأنها تمنح صاحبها وهم الصلاح، بينما هو غارق في التناقض بين ما يقول وما يفعل، وبين ما يعلنه وما يعيشه.
إنّ وهم الإصلاح الديني يكمن في الاعتقاد أن تغيير الخطاب وحده كافٍ لتغيير الواقع، والحقيقة أن الخطاب، مهما بلغ من القوة والبلاغة، لا يستطيع أن يصنع معجزة في مجتمع لا يريد أن يسمع إلا ما يوافق أهواءه. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من المنابر، بل من الضمائر، ولا يبدأ من النصوص، بل من الإنسان، ولا يبدأ من الخارج، بل من الداخل.
الإصلاح يبدأ حين يستعيد الإنسان حياءه، وصدقه، وإحساسه بالمسؤولية، وقدرته على التمييز بين الصواب والخطأ، وحينها فقط يصبح للدين أثره الطبيعي والعميق. أمّا القفز فوق هذه المرحلة، ومطالبة الدين بإنتاج مجتمع فاضل من مادة بشرية منهارة أخلاقيًا، فليس سوى هروب من مواجهة الحقيقة.
الدين حاضر… لكن الإنسان غائب أخلاقيًا.
وحين يعود الإنسان إلى إنسانيته، سيكتشف أن الدين لم يكن يومًا غائبًا، بل كان ينتظر فقط قلبًا حيًا يسكنه.

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد