منبر العراق الحر :.
تتردد عبارة «بناء الإنسان قبل الملاعب» بكثافة في الفضاءات الرقمية، حتى غدت لازمة خطابية تتكرر كلما طُرحت أسئلة الاختلال الاجتماعي، خاصة في أعقاب ما شهده الواقع المغربي من احتجاجات شبابية رافقتها في بعض مظاهرها سلوكات من الشغب والفوضى. غير أن قوة حضور هذه العبارة لا ينبغي أن تُغنينا عن مساءلتها، إذ سرعان ما يتحول الاتفاق معها إلى موقف سهل ما لم يُدعَّم بسؤال أكثر عمقًا: كيف يُبنى الإنسان؟ إن الفرد لا يتشكل بمعزل عن محيطاته، بل يتكون عبر تفاعل مستمر مع الأسرة والمجتمع والمدرسة. فالأسرة تمثل النواة الأولى التي تُغرس فيها القيم، ومنها يتعلم الطفل معنى الانضباط والمسؤولية واحترام الغير، لذلك يظل وعيها بوظيفتها التربوية شرطا أساسيًا لبناء شخصية متوازنة. أما المجتمع فهو الإطار الأوسع الذي إما أن يعزز هذه القيم أو يفرغها من مضمونها، غير أن إصلاحه لا ينفصل عن إصلاح أفراده، كما يشير المعنى القرآني: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، مما يجعل بناء الإنسان مسارًا يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على الخارج.
ومع ذلك، يبقى المحيط المدرسي الفضاء الأكثر حساسية في هذا البناء، لأنه لا يكتفي بنقل المعارف، بل يفترض فيه أن يصوغ الإنسان فكريًا وأخلاقيًا، وهنا يبرز إشكال دقيق: فالمقررات الدراسية في كثير من الأحيان، تنصرف إلى التخصصات المعرفية الصرفة، سواء في الشعب الأدبية أو العلمية، دون أن تمنح ما يكفي من العناية لبناء الذات الإنسانية. في هذا السياق تكتسب مادتا الفلسفة والتربية الإسلامية أهمية خاصة، لأنهما تتوجهان مباشرة إلى الإنسان في بعده القيمي والفكري، فالفلسفة لا تكتفي بتلقين المعارف بل تُنمّي القدرة على التفكير النقدي، وتعلم المتعلم مساءلة الأفكار بدل التسليم بها وتفتح أمامه أفق الحرية العقلية والوعي بالذات والعالم. أما التربية الإسلامية فإنها تسهم في ترسيخ القيم الأخلاقية والروحية، وتغذي الضمير الإنساني بمبادئ المسؤولية والعدل والإحسان، مما يمنح السلوك بعدًا معياريًا يضبطه ويوجهه. ومن ثَمّ فإن إهمال هاتين المادتين أو التقليل من شأنهما يعني في العمق إضعاف أحد أهم روافد بناء الإنسان.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر