نُبُوءَةُ الدَّانْتِيلِ مِنْ ثُنَائِيَّاتِ الْحُبِّ وَالْحَرْبِ….كاملة محمود الصيداوي

منبر العراق الحر :نُبُوءَةُ الدَّانْتِيلِ
مِنْ ثُنَائِيَّاتِ الْحُبِّ وَالْحَرْبِ
تَقُولُ الْأُسْطُورَةُ الْمُمْتَدَّةُ مِنْ غَرْزَةِ الْمِغْزَلِ الْأُولَى:
حَيْثُ وَشَمَتِ الْغَوَايَةُ خَاصِرَةَ الصُّبْحِ بِاللَّوْعَةِ وَالِانْتِظَارِ؛
“هُنَا كُنَّا.. هُنَا صِرْنَا.. وَهُنَا فَنِينَا.”
مُنْذُ قَصَائِدِ “دِي مِيُوسِيد”
حَتَّى خَصَلَاتِ شَعْرِهَا الْغَجَرِيِّ الْمُنْسَدِلِ عَلَى الْكَتِفِ؛
كَانَتِ الْأَنْفَاسُ تَتَسَارَعُ بِجُنُونٍ،
تَتَهَيَّأُ لِحُبٍّ يُشْبِهُ حَرْبًا طَاحِنَةً.
عَلَى حَوَافِّ الْجَسَدِ رَسَمَتْ بِدَمِ الشِّفَاهِ حُدُودَ الْمَعْرَكَةِ؛
حَيْثُ الرِّقَّةُ تُحَارِبُ بِضَرَاوَةِ الْأَبْطَالِ،
وَيَغْدُو الْحُبُّ مَقْتَلَةً صَامِتَةً،
تَنْفَجِرُ فِي لَيْلِ الْعَدَمِ عِشْقًا.
فِي الْحُبِّ.. حُرُوبٌ لَا تَرْحَمُ.
حَتَّى الْيَاقَاتِ الْمُخَرَّمَةِ طُوِيَتْ كَمَتَارِيسَ ضِدَّ النِّسْيَانِ،
أَزْرَارٌ صَغِيرَةٌ صَارَتْ قِلَاعًا أَخِيرَةً،
تَنْهَارُ تَحْتَ وَطْأَةِ الْحَنِينِ وَالْحِصَارِ.
فِي غُرَفِ الْعَمَلِيَّاتِ، كَمَا فِي غُرَفِ النَّوْمِ،
يُصَاغُ التَّارِيخُ بِذَاتِ الرَّعْشَةِ:
رَعْشَةِ جُنْدِيٍّ يُلَقِّمُ بُنْدُقِيَّتَهُ قَبْلَ الْفَنَاءِ،
وَشَهْقَةِ حَبِيبَةٍ تُرَتِّبُ مَلَامِحَهَا،
وَتُعِيدُ رَسْمَ كُحْلَتِهَا لِزَائِرٍ قَدْ لَا يَأْتِي؛
زَائِرٍ اخْتَطَفَتْهُ الْحَرْبُ، فَلَمْ يَعُدْ.
الْحُبُّ كَالْحَرْبِ؛
كِلَاهُمَا يَتَسَلَّلُ خَلْفَ خُطُوطِ الصَّمْتِ،
وَيَقْتَحِمُ الْمَنَاطِقَ الْمَحْظُورَةَ.
وَنَحْنُ.. الضَّحَايَا،
نَتُوقُ أَنْ تُرْفَعَ الرَّايَةُ الْبَيْضَاءُ فِي كِلَيْهِمَا،
بَدَلًا مِنْ مَنْدِيلٍ حَرِيرِيٍّ طُرِّزَ بِالدُّمُوعِ وَاللَّوْعَاتِ.
كُلَّمَا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا،
تُصَلِّي الْعَرَّافَاتُ بِرَهْبَةٍ تُغَلِّفُ الدَّمَارَ:
“بِاسْمِ كُلِّ الصُّدَفِ الَّتِي تُنَجِّي الْمُحَارِبِينَ”،
بَيْنَمَا تَصْطَفُّ الْجُثَثُ كَخُطُوطِ تَوَتُّرٍ عَابِرَةٍ لِلُّغَةِ،
تَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى فِي قَلْبِ الرُّكَامِ.
هِيَ الْحَرْبُ..
قُبْلَةٌ غَاضِبَةٌ عَلَى شِفَاهٍ غَضَّةٍ،
عِنَاقٌ كَطَوْقِ حَدِيدٍ يُقِيمُ فِي الْأَضْلَاعِ كَكَسْرٍ أَبَدِيٍّ،
وَوَصْلٌ لَا يَرْوِي.. بَلْ يَزِيدُ مُلُوحَةَ الْغِيَابِ.
لَيْتَنَا نَجَوْنَا مُنْذُ أَنْ تَنَبَّأَ الدَّانْتِيلُ بِالثُّقُوبِ؛
لَيْتَنَا عَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ ثَقْبٍ فِي نَسِيجِهِ،
كَانَ هَدَفًا لِشَهْقَةٍ.. أَوْ رَصَاصَةٍ.
لَيْتَنَا نَزَعْنَا الْخُيُوطَ الَّتِي ظَنَنَّاهَا تَرْبُطُ الْقُلُوبَ،
فَإِذَا بِهَا فَتِيلٌ يُشْعِلُ الْأَجْسَادَ فِي نَوْبَةِ شَكٍّ أَوْ غَيْرَةٍ.
نَخُوضُ مَعَارِكَنَا بِكُلِّ مَا أُوتِينَا مِنْ هَشَاشَةٍ،
يَسْحَقُنَا الْخَوْفُ بِكَعْبِهِ الْعَالِي،
وَقَدْ تَرَكْنَا خَلْفَنَا سَاحَاتٍ كَانَتْ مَرْتَعًا لِلْوُرُودِ،
صَارَتْ بِلَادًا مِنْ وُعُودٍ دَاسَهَا حِذَاءُ الْعَسْكَرِ.
وَكَمَا تَقُولُ النُّبُوءَةُ:
“الْأَجْسَادُ الَّتِي لَمْ يُمَزِّقْهَا الْوَلَهُ،
سَتَتَوَلَّى شَظَايَا الْعِطْرِ وَالْقَدَرِ تَمْزِيقَهَا”.
كاملة محمود الصيداوي.
فلسطين.

اترك رد