منبر العراق الحر :
في الرملة،
لم تكن الطرقات تعرف أن هناك من يسير عليها وهو لا يصل.
كانت أمّه تقول دائمًا:
“الطريق يا ابني… ما بيضيع، الناس هي اللي بتتعب.”
ومنذ أن دخل السجن،
صار يشعر
أن الطريق هو الذي نسيه.
في الزنزانة،
كان كل شيء واضحًا أكثر من اللازم.
الجدران تعرف حدودها،
الباب يعرف متى يُفتح ومتى يُغلق،
حتى الصمت
كان يعرف كيف يملأ المكان.
وحده…
لم يعد يعرف نفسه.
اسمه سامر.
في الأيام الأولى،
كان يردّدها كثيرًا.
“أنا سامر.”
أحيانًا بصوتٍ مسموع،
وأحيانًا بتحريك شفتيه فقط.
في البداية، كانت الكلمة دافئة.
ثم صارت عادية.
ثم… خفيفة.
خفيفة
لدرجة أنها لم تعد تثبت في صدره.
في الخارج،
كانت أمّه تضع فنجان قهوة كل صباح.
ليس لأنه سيشربه…
بل لأن يدها
لم تتعلّم بعد
كيف تُعدّ صباحًا ناقصًا.
كانت تقول:
“الولد راجع.”
ولا تعرف
إن كانت تقنع الآخرين…
أم نفسها.
في الداخل،
كان سامر يخاف من شيء واحد:
أن يأتي يوم
ولا يشتاق.
الاشتياق، بالنسبة له،
آخر خيط يربطه بالحياة.
حين يشتاق،
يعرف أنه ما زال هناك…
في مكانٍ ما
خارج هذا الجدار.
لكن في إحدى الليالي،
جلس طويلًا…
يحاول أن يتذكّر وجه أمّه.
لم ينجح.
لم يكن النسيان كاملًا،
لكنه كان كافيًا ليؤلمه.
تذكّر صوتها فقط.
وجملةً واحدة:
“دير بالك على حالك.”
ابتسم.
ثم اختفت الابتسامة بسرعة،
كأنها ارتكبت خطأ.
في اليوم التالي،
ناداه الحارس برقم.
رفع رأسه.
كان يعرف أن هذا الرقم له.
حفظه.
ردّ عليه كثيرًا.
لكن هذه المرة…
تأخّر.
ليس تمردًا،
بل تردّدًا.
كأنه يسأل نفسه:
“هل هذا أنا؟”
أُعيد الرقم.
خطا خطوة.
ثم توقّف.
قال بهدوء:
“اسمي سامر.”
لم تكن بطولة.
كانت محاولة صغيرة
ليُبقي شيئًا حيًا.
في تلك الليلة،
جلس قرب الجدار.
وضع يده عليه،
كما لو أنه يضعها على كتف أحد.
أغمض عينيه.
وتخيّل البيت:
الباب الخشبي،
رائحة القهوة،
صوت أمّه.
حاول أن يرد.
فتح فمه…
لكن الصوت لم يخرج.
أغلقه.
ثم همس:
“يمّا…”
توقّف.
انتظر أن يشعر بشيء.
دمعة.
رجفة.
أي علامة
تقول له إنه ما زال ابنها.
لكن…
الصمت بقي صامتًا.
في الخارج،
كانت أمّه تمسح الغبار عن صورته.
تحدّثه أحيانًا.
تقول:
“كَبِرت بالصورة… وأنا بعدني بستناك.”
ثم تضحك،
ضحكة قصيرة،
وتخفيها بسرعة.
كأنها لا تريد أن يراها ضعيفة…
حتى وهو غائب.
في الداخل،
اكتشف سامر شيئًا مرعبًا:
أنه لم يعد يخاف من السجن.
وأن هذا…
أخطر من السجن نفسه.
مرّت الأيام.
لم يعد يعدّها.
لم يعد يردّد اسمه كل صباح.
لم يعد يحاول أن يتذكّر كل شيء.
صار يختار.
يحتفظ بأشياء صغيرة فقط:
الصوت…
جملة…
إحساس قديم بالدفء.
أما الباقي…
فكان يتركه يذهب.
في إحدى الليالي،
استيقظ فجأة.
جلس.
شعر بشيء غريب.
ليس ألمًا،
ولا خوفًا.
فراغ.
نادى نفسه، دون صوت:
“سامر.”
توقّف.
أعادها:
“سامر.”
هذه المرة…
بدت الكلمة بعيدة.
كأنها لا تعنيه.
كأنها اسم شخص
سمع عنه…
ولم يلتقه.
في الخارج،
كانت أمّه تُحضّر القهوة.
وضعت فنجانين.
توقّفت.
نظرت إلى الفنجان الثاني طويلًا.
ثم، كأنها انتبهت لشيءٍ متأخر…
أعادته إلى الرف.
ببطء.
وقالت بصوتٍ خافت:
“يمكن اليوم ما يشربها.”
في الداخل،
جلس سامر،
ينظر إلى يديه طويلًا.
كأنهما شيءٌ وُضع فيه…
ولا يعرف لمن تعودان.
فكّر:
متى يبدأ الإنسان بالاختفاء؟
هل حين يُنسى؟
أم حين لا يعود يعرف
كيف يتذكّر نفسه؟
رفع رأسه نحو النافذة الصغيرة.
شريطٌ من السماء…
لا يكبر…
ولا يقترب.
همس، بصوتٍ بالكاد يُسمع:
“أنا سامر.”
سكت.
طويلًا.
هذه المرة…
لم ينتظر جوابًا.
وفي مكانٍ بعيد،
كانت أمّه
تحاول أن تتذكّر صوته…
لكنها توقّفت.
كأن شيئًا داخليًا قال لها:
“يمكن تغيّر.”
وفي تلك اللحظة—
دون أن يعرف أحدهما بالآخر—
كان الاسم،
يسقط
من جهتين.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر