ما لا تراه النافذة ….بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

في صباحه الأول في المدرسة، لم يبحث الطفل عن الأطفال.

بحث عن النافذة.

جلس في المقعد الأخير، حيث يصل الضوء كاملًا. مدّ كفّه داخل شعاع الشمس، وراح يتأمل ذرات الغبار وهي تدور ببطء، كأنها تعرف طريقها أكثر من البشر.

في نهاية الدوام، قالت المعلمة لأمه:

“لا يختلط بأحد.”

أومأت الأم.

وكانت تتمنى لو قالت المعلمة شيئًا آخر…

“رأيته يبتسم.”

عاد يومًا يحمل حذاءه بيده.

سألته أمه:

“لماذا تمشي حافيًا؟”

طال صمته حتى ظنت أنه لن يجيب.

ثم قال:

“قالوا إن مشيتي تضحكهم.”

لم تسأله: من؟

نزعت حذاءها.

وأمسكت يده.

وسارت إلى جواره حافية.

كان الإسفلت يحرق القدمين.

لكن الألم، حين يتقاسمه اثنان، لا يبقى كما هو.

ومنذ ذلك اليوم، كلما ضاقت به الأرض، تذكر أن أول من أحبه لم يحاول أن يعيده إلى صورة تشبه الآخرين…

بل وسّع له الطريق حتى يتسع لاختلافه.

بعد سنوات، عرف الأطباء اسم اختلافه.

قالوا:

“اضطراب طيف التوحد.”

أما أمه، فكانت تقول:

“له لغته.”

ثم تصمت.

كانت تؤمن أن الله لا يكرر الأرواح، فلماذا نطالب البشر بأن يتشابهوا؟

في كلية الطب، لم يكن أكثر الطلاب كلامًا.

كان أكثرهم إنصاتًا.

يقف طويلًا أمام كتب التشريح، مأخوذًا بذلك النظام الخفي الذي يجعل نبضة واحدة قادرة على أن تحمل حياة كاملة.

وحين دخل غرفة العمليات لأول مرة، لم يشعر بالخوف.

شعر أنه عاد إلى المكان الوحيد الذي يشبهه.

هناك…

لا قيمة للصوت.

ولا للبلاغة.

ولا لمن يتحدث أكثر.

هناك، تتكلم الدقة.

ويتكلم الصبر.

وتتكلم اليد.

في مساء شتوي، وصلت طفلة بعد حادث سير.

نزيف داخلي.

وفي الخارج، جلست أمها على الأرض.

لم تكن تبكي.

كانت تضم إلى صدرها فردة حذاء صغيرة سقطت من قدم ابنتها.

وكأنها تخشى أن تضيع آخر علامة تدل عليها.

في الداخل، لم يكن أحد يصنع معجزة.

كان فريق كامل يقاتل الزمن.

وكان جراح يعرف أن الدقيقة قد تكون وطنًا كاملًا لطفلة.

مرت الساعات بطيئة.

ثم خرج.

اقترب من الأم.

ناولها فردة الحذاء.

وقال:

“احتفظي بها…

ستطلبها عندما تستيقظ.”

في تلك اللحظة فقط…

انهارت المرأة بالبكاء.

لأن البشر لا يبكون دائمًا عند سماع الحقيقة…

بل عند عودة الأمل.

بعد أشهر، أوقفته امرأة مسنة في ممر المستشفى.

قالت:

“كنت معلمتك.”

تأمل وجهها طويلًا.

ابتسم.

أما هي، فانكسر صوتها وهي تقول:

“كنت أرى اختلافك…

ولم أر الطفل.”

ظل صامتًا.

ثم قال:

“لا أحد يولد متأخرًا…

لكن بعض القلوب تصل متأخرة.”

خفضت رأسها.

ولأول مرة منذ أربعين عامًا، شعرت أن المقعد الأخير كان يجلس في داخلها هي.

بعد رحيل أمه، فتح صندوقًا خشبيًا صغيرًا كانت تخبئه في خزانتها.

وجد دفترًا قديمًا.

وفي صفحته الأخيرة رسالة بخط يدها.

قالت فيها:

“إذا قرأت هذه الكلمات، فهذا يعني أنني لم أعد أمشي إلى جوارك.

سامحني لأنني لم أستطع أن أمنع العالم من أن يؤلمك.

لكنني حاولت أن أعلّمك شيئًا واحدًا…

إذا وجدت يومًا إنسانًا يمشي وحيدًا…

فلا تسأله لماذا يختلف.

امشِ بجانبه.

فربما لا يحتاج من الدنيا كلها…

إلا خطوة.”

طوى الرسالة.

ثم نظر إلى الحذاء الصغير الذي احتفظت به كل تلك السنين.

وفهم أخيرًا…

أنها لم تحتفظ بالحذاء لأنه يخص طفلها.

بل لأنه يخص اليوم الذي انتصر فيه الحب على الخجل.

في صباح اليوم التالي، دخل إلى غرفة العمليات.

وقف أمام الباب لحظة.

ثم خلع حذاءه.

تركه في الخارج.

ودخل.

لم يفعل ذلك طقسًا.

ولا عادة.

بل لأن قلبه، كلما أنقذ حياة، كان يعود طفلًا يمشي حافيًا إلى جوار أمه.

في مدارسنا مقاعد أخيرة كثيرة.

وعليها أطفال لا تنقصهم الموهبة…

بل عين ترى ما وراء الصمت.

قد لا يصبحون جميعًا جراحين.

لكنهم جميعًا قادرون على أن يغيّروا هذا العالم…

إذا وجدوا شخصًا واحدًا فقط…

يمشي معهم، لا أمامهم.

لأن أعظم ما يفعله الحب…

أنه لا يغيّر الإنسان.

بل يعيده إلى نفسه.

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد