ضربة لمساعي السلام

يأتي هذا التصعيد في وقت تتحدث فيه الآلية الخماسية، التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والجامعة العربية، عن إحراز تقدم في جهود إنهاء الحرب. ويتزامن ذلك مع تحركات يقودها المبعوث الأميركي للدفع نحو خفض التصعيد وإقرار هدنة إنسانية تتيح إيصال المساعدات إلى المتضررين.

وكان مقترح أميركي قد طرح هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات لوقف شامل لإطلاق النار وعملية سياسية تقود إلى حكم مدني. لكن قيادة الجيش رفضت المقترح، واشترطت انسحاب قوات الدعم السريع بالكامل من المدن والمناطق المدنية التي تسيطر عليها، بينما أعلنت الأخيرة قبولها المبدئي بالمبادرة.

وتُضعف موجة التصعيد الحالية أي فرصة لبناء الثقة بين الطرفين؛ فخطاب القضاء الكامل على الخصم، بالتزامن مع توسيع نطاق العمليات، يجعل وقف إطلاق النار يبدو بعيد المنال، ويحوّل المبادرات السياسية إلى سباق مع التطورات الميدانية.

كما يمنح كل تقدم عسكري مؤقت الطرف الذي يحققه اعتقاداً بإمكان تحسين موقعه عبر القتال، مما يدفعه إلى تأجيل التفاوض، قبل أن يأتي الهجوم المضاد ليعيد الحرب إلى مرحلة جديدة أكثر دموية وتعقيداً.

 المدنيون يدفعون الثمن

يبقى المدنيون الخاسر الأكبر من هذا التصعيد. فمدينة الأبيض، التي تضم نحو نصف مليون شخص، بينهم قرابة 100 ألف نازح، تعاني منذ أشهر نقصاً حاداً في الغذاء والوقود والمياه والكهرباء، وسط الهجمات بالمسيّرات والحصار واضطراب طرق الإمداد.

وفي مناطق أخرى من شمال كردفان، أدت العمليات العسكرية إلى نزوح عشرات الآلاف وتعطيل مصادر المياه والمرافق الصحية، بينما ينتشر وباء الكوليرا في ظل نقص الأدوية وصعوبة وصول فرق الإغاثة.

وفي دارفور، أدى القصف الجوي العشوائي لطيران الجيش على المناطق المدنية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، في وقت تشهد فيه أسعار الغذاء ارتفاعاً حاداً وتتراجع المساعدات الإنسانية وتتزايد مخاطر الجوع.

أما في النيل الأزرق، فقد بدأت موجة نزوح جديدة مع تجدد المعارك، وسط مخاوف من انتقال أعداد من المدنيين إلى المناطق المجاورة أو عبورهم الحدود إلى إثيوبيا وجنوب السودان.

وبذلك لا يقتصر أثر التصعيد على أعداد القتلى والجرحى، بل يمتد إلى تدمير مقومات الحياة ودفع مزيد من السودانيين إلى النزوح، وتعريض الملايين لخطر الجوع والأوبئة.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تؤكد التطورات الأخيرة أن كل جولة جديدة من التصعيد لا تقرّب السودان من الحسم، بل توسع خريطة القتال وتعمق الانقسام وتزيد كلفة السلام. وبين تهديدات القضاء على الخصم والهجمات المتبادلة بالمسيّرات، تبتعد فرص التسوية، فيما تقترب البلاد أكثر من حرب استنزاف مفتوحة يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.