منبر العراق الحر :
القطرة:هي جزء ينفصل من سائل عن كتلته الأصلية ويتخذ شكلًا محدودًا، وقد تبدو في أعيننا شيئًا عابرًا، فنمرّ بها دون أن نلتفت إليها، غير أن محدودية حجمها لا تنتقص من تأثيرها . فقيمتها ليست دائمًا في كميتها، بل في ما تتركه من أثر . فقطرة الحبر قد تغيّر كلمة، فتغيّر معنى، وربما تؤثر في قرار أو تغيّر مسارًا . وقطرة الزيت التي تسقط في ماء صافٍ كان ينقذ الحياة قد تفسده . أما قطرة الدم، فقد لا تلفت النظر، لكن حين يختل مسارها في الدماغ، قد تحدث جلطة أو نزيفًا، فيفقد الإنسان شيئًا من قوته أو قدرته على الحركة أو النطق أو التذكر، وقد تتغير حياته كلها في لحظة واحدة .
وهنا تكمن مأساة ما قد نستهين به؛ إذ ليس كل ما يبدو عابرًا قليل الشأن، ولا ما نراه محدودًا في حجمه تكون عواقبه محدودة . فالإنسان لا يخسر عمره دائمًا أمام حدث عظيم، بل قد يتغير مسار حياته بسبب تفصيل يبدو في حينه هامشيًا . وفجأة يفقد القدرة على المشي، أو التعبير، أو العمل، أو ممارسة أشياء كان يفعلها كل يوم دون أن يفكر في قيمتها . وقد تسقط معه سنوات طويلة من الدراسة، والشهادات، والخبرة، والمنصب، والرتبة، والمال، والممتلكات، والسيارات، والقصور، والبساتين، والأحلام التي ظل يجمعها حجرًا فوق حجر . عندها يكتشف أن ما ظنه يومًا ملكًا له، لم يكن يملك منه إلا فرصة وجوده .
قد يذهب الجمال.
ويغادر الأبناء إلى حياتهم.
ويرحل الأحباب.
وتتحول سنوات طويلة أنفقناها في جمع الأشياء إلى صور قديمة نحدق فيها، ونتساءل كيف مرّ العمر بهذه السرعة.
ولذلك، لا تحتقر الشيء الصغير.
لا تحتقر كلمة قلتها وأنت غاضب؛ فقد تبقى في قلب إنسان سنوات . ولا نظرةً كسرت بها خاطرًا . ولا توقيعًا وضعته على ورقة وأنت لا تدرك تمامًا ما قد يترتب عليه . ولا قرارًا ظننته بسيطًا . ولا لحظة غرور . ولا تأجيلًا لاعتذار . ولا إهمالًا لصحتك . ولا شخصًا ظننت أن وجوده في حياتك أمراً مضموناً . فبعض الكوارث لا تدخل حياتنا وهي تطرق الأبواب بعنف؛ بل تأتي هادئة، صغيرة، تكاد لا تُرى . وقد يكون الشيء الذي لا تلتفت إليه اليوم، هو نفسه الذي ستتمنى غدًا لو أنك انتبهت إليه، لكن بعد فوات الأوان .
الحياة نفسها تشبه قطرة.
تتكوّن بصمت، وتلمع لحظة، ثم تسقط.
ونحن كذلك.
نأتي إلى هذه الدنيا ونتصرف كأن أمامنا عمرًا لا ينتهي؛ فنؤجل الحب، ونؤجل الاعتذار، ونؤجل التوبة، ونؤجل زيارة من نحب، ونؤجل الكلام الذي كان ينبغي أن يُقال. ثم تأتي لحظة واحدة، فتخبرنا أن التأجيل لم يكن ضمانًا، وأن القوة لم تكن دائمة، وأن الصحة لم تكن أمرًا مضمونًا، وأن الغد لم يكن وعدًا . لذلك، لا تستهن بالأشياء الصغيرة . فأكبر الحرائق قد تبدأ بشرارة، وأطول الطرق قد تبدأ بخطوة، وأعمق الجراح قد تبدأ بكلمة، وأكبر الانهيارات قد تبدأ بتصدع لا يراه أحد . فليس الخطر دائمًا في حجم البداية، بل في الأثر الذي يمكن أن تتركه .
وكم من خراب عظيم كانت بدايته قطرة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر