منبر العراق الحر :حين يقول هادي العامري إن «المقاومة هي التي وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي»، فإن العبارة لا تبدو مجرد استعادة لحدث مضى عليه نحو سبع سنوات. والسؤال هنا ليس فقط: ماذا قصد العامري بتشرين؟ بل: لمن كان يتحدث؟
جاء تصريحه في وقت يحتل فيه ملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة موقعاً متقدماً في النقاش العراقي، بالتزامن مع المطالبات بحصر السلاح بيد الحكومة. وهذا الملف يتقاطع مع النفوذ الإيراني في العراق، ومع الرؤية الأميركية لمستقبل الفصائل ودورها.
قد يكون العامري أراد تذكير القوى السياسية بأن الفصائل كانت، من وجهة نظره، جزءاً من القوة التي حافظت على النظام عندما واجه أخطر احتجاج شعبي منذ 2003. وقد تكون رسالته إلى واشنطن أن القوى التي تطالب اليوم بحصر السلاح هي نفسها التي امتلكت القدرة على منع الشارع من فرض تغيير جذري في النظام السياسي.
ولا يمكن الجزم بأن التصريح كان رسالة إيرانية مباشرة، فلا دليل معلناً على ذلك. لكن تاريخ العامري وعلاقته بالمعسكر القريب من طهران يجعل السؤال مشروعاً: هل كان يتحدث بصفته السياسية العراقية، أم أن كلامه يعكس موقفاً أوسع داخل هذا المعسكر؟
إذا كانت الرسالة تقول: «نحن كنا هناك عندما خرج الشارع، ونحن نعرف كيف أوقفناه»، فإنها تصبح أكثر من دفاع عن الحشد؛ تصبح تذكيراً بمعادلة القوة.
بدأت تشرين في أكتوبر/تشرين الأول 2019 احتجاجاً على البطالة والفساد وسوء الخدمات وانسداد الأفق السياسي والتدخلات الخارجية. كان الشباب في مقدمة المشهد، ولم تكن للحركة قيادة مركزية واحدة. كانت قوتها أنها لم تكن حزباً يمكن محاصرته، وضعفها أنها لم تمتلك قيادة تحول قوة الشارع إلى مشروع سياسي.
ومنذ البداية ظهرت روايتان. الأولى ترى تشرين حركة عراقية عفوية وسلمية خرجت من غضب حقيقي. والثانية تقول إن جهات سياسية وإقليمية ودولية حاولت استثمارها أو اختراقها وتوجيهها. وربما كانت الحقيقة أكثر تعقيداً؛ فقد تكون الحركة عفوية في ولادتها، ثم أصبحت ساحة مفتوحة للاستثمار السياسي بعد اتساعها. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن أسباب الغضب كانت عراقية.
ثم جاءت المرحلة الأكثر قسوة. لم تكن الانتهاكات تجري في الظلام؛ الكاميرات كانت موجودة، والصحفيون ينقلون، والصور تصل إلى العالم. وبحسب الأمم المتحدة، قُتل 490 متظاهراً وناشطاً وأصيب 7,783 حتى مايو/أيار 2020، كما وثقت 123 حالة اختفاء مرتبطة بالاحتجاجات. وتحدثت تقارير الأمم المتحدة عن استخدام مفرط للقوة وعمليات قتل واختطاف واختفاء قسري، مع استمرار الإفلات من العقاب.
هذه الأرقام لا تعني أن جهة واحدة تتحمل مسؤولية جميع الضحايا، لكنها تكشف أن ما حدث لم يكن مجرد اضطراب أمني عابر، بل أزمة سياسية وإنسانية كبرى.
وهنا يبرز دور المجتمع المدني. لم يكن غائباً؛ وثق واحتج وأصدر البيانات، لكنه لم يمتلك أدوات تغيير ميزان القوة. فحين تكون الانتهاكات موثقة بالصوت والصورة ولا تتحول إلى حماية فعلية أو محاسبة شاملة، تصبح المشكلة أكبر من قدرة المنظمات المدنية.
والإعلام كان حاضراً، لكنه لم يكن خارج الاستقطاب السياسي. بعض القنوات ارتبطت بأحزاب أو تأثرت بجهات سياسية وخارجية، فيما تعرض صحفيون ووسائل إعلام للضغط والاعتداء والعرقلة. وهكذا استطاع الإعلام نقل الصورة، لكنه لم يستطع وحده تحويلها إلى قرار سياسي.
أما المجتمع الدولي فلم يكن صامتاً. الأمم المتحدة وثقت الانتهاكات وطالبت بالحماية والمساءلة، لكن الإدانة لم تتحول إلى ضغط مستدام يضمن العدالة. وبعد انحسار الاحتجاجات، انتقلت الأولويات الدولية إلى الانتخابات وتشكيل الحكومات والأمن والصراع الإقليمي، وبقيت عائلات الضحايا تنتظر إجابات.
إذا كان العامري يقصد أن «المقاومة» أسهمت في وقف تشرين، فإن السؤال يصبح أكثر حساسية: هل أوقفت الحركة بالسياسة أم بالاحتواء أم بالقوة؟ ومن قرر أن الاحتجاج خرج عن مساره وتحول إلى «فتنة»؟
وهناك رواية مقابلة؛ فقد قال قيادي في منظمة بدر إن العامري لم يقصد الحركة المطلبية في بدايتها، وإنما من ساهموا لاحقاً في حرف الحراك عن مساره، مؤكداً دعم المطالب المشروعة. لكن ذلك يعيد السؤال: متى أصبحت تشرين، في نظر السلطة، تهديداً للنظام؟
ربما تكمن أهمية تشرين في أنها أسقطت حكومة عادل عبد المهدي ودفعت إلى انتخابات مبكرة، لكنها لم تغير بنية النظام. فإسقاط الحكومة شيء، وتغيير النظام السياسي شيء آخر. النظام العراقي بعد 2003 ليس نظام شخص واحد، بل شبكة من أحزاب وتحالفات ومؤسسات ومصالح، تتداخل معها تأثيرات إقليمية ودولية.
وهنا يظهر السؤال الأصعب: لماذا تنجح الاحتجاجات العراقية في إجبار الحكومات على التراجع أو تقديم التنازلات، لكنها تعجز عن تغيير قواعد النظام؟
هل يستطيع الشارع وحده تغيير نظام تحكمه توازنات داخلية مرتبطة أيضاً بقوى إقليمية ودولية؟ وهذا يفسر لماذا كان تغيير الحكومة أسهل من تغيير النظام.
ومن هنا يمكن فهم حساسية ملف السلاح. فإذا أصرت بغداد وواشنطن على حصره بيد الحكومة، فهل كان كلام العامري تذكيراً بما حدث في 2019، أم تحذيراً مما قد يحدث إذا وصلت المواجهة إلى نقطة اللاعودة؟
قد يكون من المبالغة وصفه بتهديد مباشر، لكنه يحمل نبرة قوة. فالتهديد السياسي لا يحتاج دائماً إلى عبارة «سنفعل»؛ أحياناً يكفي أن تقول: «لقد فعلناها من قبل».
ويبقى السؤال: كيف تلقفت واشنطن الرسالة؟ لا توجد إشارة علنية كافية للقول إنها اعتبرتها تهديداً مباشراً. لكن الأهم هو كيف تقرأها دوائر القرار الأميركية: هل هي موقف تفاوضي، أم رسالة ردع، أم محاولة للتأكيد أن الفصائل جزء من معادلة استقرار النظام؟
وفي الداخل قد تكون الرسالة: لا تنسوا من وقف مع النظام عندما اهتز الشارع.
أما المتبقون من تشرين، فلن يعودوا بالضرورة بالاسم نفسه أو بالشعارات ذاتها، لكن الذاكرة وأسباب الاحتجاج لم تختفِ. وربما لا تكون المخاوف من عودة تشرين القديمة هي الأهم، بل ظهور احتجاج جديد بقيادة مختلفة وشعارات أكثر تنظيماً.
بدأت تشرين بمطالب العمل والخدمات والكرامة والإصلاح، وانتهت بانحسار الشارع وسقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى، ثم جاءت جائحة كورونا لتسرع تفكك الساحات. وثقت المنظمات، وصور الإعلام، وتحدثت الأمم المتحدة، وأصدر المجتمع الدولي مواقفه، لكن النظام بقي.
ولهذا فإن أخطر ما في تصريح العامري أنه أعاد فتح ملف لم يغلق. فإذا كانت «المقاومة» قد أوقفت تشرين كما يقول، فإن السؤال لم يعد فقط من أوقفها، بل:
هل أوقفوا احتجاجاً، أم أوقفوا محاولة عراقية لتغيير النظام؟
وإذا عاد الشارع مرة أخرى، فهل ستكون المعادلة نفسها؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر