منبر العراق الحر :
لم تكن تصريحات الأمين العام لحركة النجباء أكرم الكعبي مجرد تهديد جديد بالعودة إلى مواجهة القوات الأميركية. الأخطر فيها أنها حاولت إعادة تعريف يوم 30 أيلول/سبتمبر: من موعد اتفقت عليه بغداد وواشنطن لإنهاء مهمة عسكرية، إلى «خط اشتباك» يريد طرف من خارج الدولة أن يحدد ما المسموح بعده وما المحظور، ومن يحق له البقاء ومن يصبح هدفاً. فالكعبي لم يتحدث عن الأرض وحدها؛ بل عن «الانسحاب الكامل من البر والجو»، وأعلن الاستعداد لـ«المعركة الحاسمة» إذا جرى التنصل منه، بل ذهب إلى أن بقاء جندي أميركي واحد بعد ذلك التاريخ سيجعله هدفاً.
واللافت أن الرسالة لم تكن عسكرية فقط؛ كانت سياسية ونفسية أيضاً. الكعبي خاطب ترامب بالاسم، ورفض أن يحصل على «نصر في العراق» حتى بصورته الإعلامية، كأنه لا يريد فقط إخراج القوات الأميركية، بل يريد امتلاك رواية خروجها أيضاً: من الذي أخرجها؟ ومن المنتصر؟ ومن يملك إعلان انتهاء الحرب أو استئنافها؟ هنا تتجاوز المسألة تعداد الجنود والقواعد، لتدخل في صراع على تعريف النصر نفسه.
لكن هذه الاستراتيجية تصطدم بعقيدة أميركية تتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً. الكعبي يهدد بإغلاق الجغرافيا العراقية أمام الأميركي بعد 30 أيلول؛ بينما عقيدة ترامب الجديدة تقول إن إخراج الجندي الأميركي من العراق لا يخرج العراق ـ ولا الفصيل الذي يهاجمه ـ من مدى الرد الأميركي. وهنا تحديداً يصبح «الرد عبر الحدود» مفتاح قراءة المشهد، لا مجرد وصف لعملية عسكرية.
ما فعلته واشنطن في المواجهة المتجددة مع إيران يقدم نموذجاً عملياً لهذا المنطق. فالضربات الأميركية امتدت إلى أهداف عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، فيما امتد الرد الإيراني بدوره إلى مواقع وأصول أميركية في ساحات إقليمية متعددة. بذلك لم تعد الجغرافيا سياجاً يحيط بالرد؛ فالهجوم في ساحة قد يستدعي الرد في ساحة أخرى، ومصدر التهديد قد يدخل في حسابات العقاب حتى عندما يقع خلف حدود دولة أخرى.
وهنا تصبح المعادلة أكثر خطورة بالنسبة إلى العراق. إذا كان الكعبي يريد أن يجعل 30 أيلول نهايةً لحرية الحركة الأميركية داخل الحدود العراقية، فإن عقيدة ترامب تحاول إسقاط قيمة الحدود نفسها في معادلة الرد: يمكنك أن تختار مكان الهجوم، لكنك لا تختار مكان الرد. ليست هذه قاعدة قانونية معلنة، ولا ضمانة لما ستفعله واشنطن في كل حالة؛ إنها قراءة لنمط ردع يسعى إلى الاحتفاظ بحرية تحديد مكان الرد وحجمه وتوقيته.
وهكذا تظهر حافة المُصادمة. استراتيجية الكعبي تحتاج إلى جغرافيا واضحة: العراق أرض يجب أن يخلو منها الأميركي، و30 أيلول هو الخط الذي يفصل بين وجود مؤقت ووجود يصبح بعده هدفاً. أما الاستراتيجية الأميركية فلا تحتاج بالضرورة إلى قاعدة ثابتة داخل العراق كي تحتفظ بقدرتها على الرد. تستطيع واشنطن تقليص بصمتها البرية، وإبعاد جنودها عن الأهداف السهلة، ثم الاحتفاظ بالطيران والقوة البحرية والقواعد الإقليمية والقدرات بعيدة المدى. وبذلك قد يخرج الهدف الأميركي من العراق من دون أن تخرج القوة القادرة على الرد من المنطقة.
ولا يقف «الرد عبر الحدود» عند الصاروخ والطائرة. فواشنطن تمتلك أدوات قوة أخرى، في مقدمتها الدولار والعقوبات والنظام المالي، تستطيع أن تنقل بها المواجهة من الميدان إلى الاقتصاد. ولذلك فإن تقليص البصمة العسكرية الأميركية داخل العراق لا يعني بالضرورة تقليص أدوات الضغط الأميركية عليه؛ فقد يغادر الجندي القاعدة، بينما تبقى القوة المالية والاقتصادية قادرة على الوصول إلى الدولة والجهة التي تتحدى قواعدها في آن واحد.
ومن هنا يصبح «الرد عبر الحدود» الداء والدواء في آن واحد. فهو الداء لأنه يوسع الحرب: فإذا تجاوز الهجوم حدود الدولة وتجاوز الرد الحدود نفسها، تتحول الجغرافيا الإقليمية كلها إلى مسرح محتمل للمواجهة. وهو الدواء ـ في منطق الردع ـ لأن معرفة الخصم أن إطلاق النار من العراق لا يضمن بقاء الرد داخل العراق، ولا حتى بقاءه عسكرياً فقط، قد ترفع كلفة القرار إلى مستوى يمنع اتخاذه أصلاً. لذلك فالمُصادمة ليست حتمية؛ إنما يقف الطرفان على حافتها، وكل منهما يحاول إقناع الآخر بأن الخطوة التالية ستكون أغلى مما يستطيع تحمله.
لكن بين الكعبي وترامب يوجد طرف ثالث يكاد يكون أهم منهما في هذه المعادلة: الدولة العراقية. فالموعد الذي يراه الكعبي نهايةً لمشروعية الوجود الأميركي، وتراه واشنطن جزءاً من ترتيب متفق عليه مع بغداد، ينبغي أن يعني للدولة شيئاً آخر: انتقال المسؤولية كاملة إليها. فإذا انتهت الذريعة التي ربطت الفصائل سلاحها بها، فإن السؤال ينتقل تلقائياً من شرعية وجود القوات الأجنبية إلى شرعية وجود قرار عسكري خارج المؤسسات الدستورية.
وهنا تنقلب دلالة التاريخ نفسه:
30 أيلول هو موعد خروج الآخر؛ لكن الأول من تشرين الأول هو موعد امتحان الذات.
بعد 30 أيلول، لن يكون السؤال الأصعب: هل بقي جندي أميركي في العراق؟ بل: من يملك في العراق قرار اعتبار ذلك الجندي عدواً، ومن يملك قرار إطلاق النار عليه؟
إذا كانت الإجابة بغداد، فهذه سيادة.
وإذا تعددت الإجابات، فالمشكلة في الأول من تشرين الأول لن تكون الوجود الأميركي وحده؛ بل وجود أكثر من صاحب لقرار الحرب داخل دولة واحدة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر