الحياة من قاع الكأس…… د. وليد الأسطل

منبر العراق الحر :

أوفيلر، اسمٌ يمرُّ على الشفاه كقُبلةٍ فرنسيةٍ.
لترابِها ذاكرةٌ حمراءُ تنامُ تحتَ الكروم وتستيقظُ في الكأس.

يا خمرَتها، يا حمراءَ مثلَ جرحٍ على فمِ المساءِ،
أنتِ القصيدةُ حين يعجزُ الشاعر.

أرى في لمعان الشراب وجوهَ الذين أحببتهم، والذين فقدتُهم، والذين لم يأتوا بعد.

أرفع الكأس، وأشرب المسافة الهائلة
بين أن أكون حيا وبين أن أشعر بذلك.

في الخارج تلمعُ الحجارةُ كأنها مبللةٌ بالنبيذ،
يمشي عاشقان تحت المطر، ويضحكُ صديقان.
أما أنا، فلي كأس، وليلٌ فرنسي،
وقلبٌ لا يريد العودة إلى النهار.

كأنني لم أولدْ إلا لأرفعَ هذه الكأس،
وكأن كلَّ ما عشته كان طريقا طويلا إلى هذه الرشفة.

يا خمر، أنتِ أقدمُ من الحزن،
وأكثرُ معرفةً منه.

أرفعُ الكأس.
في الرشفة الأولى تسقطُ ساعة.
في الثانية يسقطُ اسم.
وفي الثالثة أجدُ على لساني فرنسا كاملةً من دون خريطة.

يا لها من نعمةٍ فادحة
أن يحملَ شيءٌ صغير كلَّ هذا الخراب.

أشرب،
فتضيقُ الشوارعُ، وتطوي نفسها واحدةً داخل أخرى،
حتى أجدني في طفولتي.

هناك كان أبي أصغر،
وكانت يدُه تستطيعُ حملَ العالم.

أشرب أكثر،
فأسمعُ صوتَ أبي وهو شاب،
وأسمعُ قلبي قبل أن أعرفَ اسمه.

في دمي يركضُ حصانُ باخوس الأسود؛
أركبهُ بلا لجام، في مملكةٍ لا شرطةَ فيها، ولا شريعة.

يا أمَّ السكارى، يا عروسَ الحواس،
علّقي أقمارَكِ في سقفِ حنجرتي.
اجعلي قلبي معصرةً للبرق،
واجعلي دمي خمرةً لا تبلغُها التوبة.

يا ابنةَ النار التي تعلّمت كيف تُرضع العسلَ من فمِ الخراب، لك في دمي مملكةٌ لا تنام.

لا أريدُ كأسا صغيرة تخجلُ من شغفي؛
أريدُ نهرا من النبيذ يعبرُ عروقي
ويتركُ على جدرانِ روحي ختمَ فرنسا.

في الحانة تسقط الأسماء، وتتساوى الأرواح،
يصيرُ الغريبُ أخا، والصمتُ مائدةً، والليلُ صاحبي الأخير.

أخرجُ مترنحا.

فوقَ الشارع قمرٌ مكسور.
أرفعُ رأسي إليه فأراه
كأسا أخيرة لم أستطع الوصولَ إليها.

من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”

اترك رد