صراع السياسة وحرية الفرد: لماذا تحول الحجاب في أذربيجان إلى ملف أمني؟..خلود جبار عبيد

منبر العراق الحر :
عندما تُطرد معلمة أو موظفة من عملها، أو تُمْنَع طالبة من مقاعد الدراسة في أذربيجان لمجرد ارتدائها الحجاب، يتضح جلياً أن المسألة ليست مجرد تنظيم إداري أو “ضوابط مظهر عام”، بل هي قضية سياسية وأمنية بامتياز تتداخل فيها الجغرافيا مع تعقيدات التاريخ.
ولفهم هذه القرارات الحازمة، لا بد من العودة إلى الجذور؛ فقد خضعت أذربيجان لأكثر من سبعين عاماً لحكم الاتحاد السوفيتي الذي فرض علمانية متشددة وحارب التدين العلني. وبعد الاستقلال عام 1991، ورثت النخبة الحاكمة هذه الذهنية الأمنية، واعتبرت العلمانية المتشددة جدار حماية لهوية الدولة الحديثة.
واليوم، يُضاف إلى الإرث التاريخي حذرٌ جيوسياسي من التأثيرات الإقليمية العابرة للحدود؛ حيث تتخوف السلطات من استغلال التدين الظاهري كرمزية سياسية خارج نطاق سيطرة الدولة. ومن هذا المنطلق، استُخدمت القرارات الإدارية كأداة ضبط سياسي حازمة تصل إلى حد الفصل والطرد.
لكن خطورة هذا الموقف تتجاوز الأبعاد السياسية لتمس العمق النفسي والاجتماعي للمجتمع؛ فإكراه النساء وحرمانهن من حقوقهن الأساسية يُحدث شرخاً وانفصالاً داخل النسيج المجتمعي الواحد، ويُذيب جسور الثقة والتعاطف الإنساني في بيئات العمل والتعليم. كما أن وضع المرأة تحت ضغط القهر النفسي والإجبار المباشر بين معتقدها الشخصي ومصدر رزقها أو مستقبلها العلمي، يولد حالة من الشعور بالإقصاء والظلم، وينعكس توتراً وجفاءً مكتوماً يتسرب إلى أروقة الأسرة والمجتمع بدلاً من تحقق الاستقرار المطلوب.
إن الحل لا يكمن في الطرد والتضييق، بل في الفصل الواعي بين حرية الفرد في مظهره الشخصي ومعتقده وبين الانتماء الوطني وحكم القانون. فالدولة القوية لا يهددها حجاب امرأة تؤدي دورها بكفاءة، بل تزيدها قوةً قدرتها على احترام حقوق مواطنيها واحتوائهم من دون إكراه.
ختاماً، ينبغي أن ندرك جميعاً أن الدين في جوهره تربية وأخلاق قبل كل شيء، وليس مجرد مظهر عام أو أداة للتصعيد السياسي؛ فالأخلاق هي الأثر الحقيقي والعميق للدين، ولا ينبغي زج المظهر في صراعات السياسة أو اتخاذه معياراً للانتماء.

اترك رد