أقراط السيدة الشيوعية ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
لم يكفّ أحد المعلمين في مدرستنا عن إعلان حبه وعشقه لروزا لوكسمبورغ، وربما بسببها كان يذهب كل عام لزيارة بولونيا حيث وُلدت، وإلى ألمانيا حيث اغتيلت. وطالما كان في نقاشه مع أهل القرية الذين يضحكون في سرّهم حين يأتي على سيرة امرأة لا يعرفونها ولا تهمهم في شيء.
حتى إنه وقف ذات يوم في جمع من أهل القرية، كانوا على حافة الهور يراقبون رجلاً منهم يسحب سمكة طينية طولها أكثر من متر يسمونها (البِزّ)، وقرأ عليهم تعويذة روزا لوكسمبورغ في إحدى مقالاتها عن المجتمعات البدائية، والتي كان يحفظها عن ظهر قلب:
((كان الإنجليز ينتقلون من مفاجأة إلى أخرى: لقد عثروا على الجماعات الفلاحية الأكثر تنوعًا، كبيرة كانت أم صغيرة، مقيمة هناك منذ آلاف السنين، منكبة على زراعة الأرز، وتعيش في هدوء وانتظام. ولم يجد الإنجليز – ويا للفظاعة! – في أي قرية من تلك القرى، أي ملكية خاصة للأرض. حتى إنهم لم يعثروا على أي شخص قادر على التصريح بأن قطعة الأرض التي يزرعها هي ملكه، وكذلك لم يكن بوسعه أن يبيعها، أو يضمنها، أو يرهنها لكي يدفع الضرائب المتأخرة)).
فردّ عليه شغاتي: أستاذ، نحن لسنا بدائيين. وعندما أتى الإنجليز وجدونا لا نكتب ولا نقرأ، لكنهم وجدوا في التلول القريبة من هنا ألواحًا من الطين عليها كتابة قبل أن يتعلموها هم.
قال المعلم: شغاتي، اقرأها وستحبها.
ردّ شغاتي ضاحكًا: أنا مهتم بحكايات شهرزاد هذه الأيام.
ظلّ هاجس لوكسمبورغ يسكن ذاكرة المعلم، حتى إنه كان معجبًا بصورة للمفكّرة الماركسية تتدلّى من أذنيها أقراط جميلة، فأوصى أحد أصدقائه من الصاغة المندائيين بصناعة أقراط من الفضة مثلها.
أتى بالأقراط وخبّأها بين حاجياته، ولا ندري لمن يهديها.
وحين سألته: لماذا لا تهدي هذه الأقراط لوالدتك؟
قال: لقد كبرت على الأقراط، وهي في كهولة صمتها.
لأختك؟
أختي متزوجة في بلد ربما حتى صورة روزا لوكسمبورغ ممنوع نشرها فيه.
لحبيبتك؟
آه، إنني أنتظر لحظة اللقاء بها في الصيف القادم، فحبيبتي ماريا تسكن في وارسو.
جاءت العطلة الصيفية، حمل المعلم حقيبته ومعها أقراط روزا لوكسمبورغ… وحين عاد في نهاية العطلة سألناه: حتمًا قرطا روزا الآن يلمعان حزنًا لرحيلك عن ماريا.
ابتسم بحزن وقال: أي ماريا؟ رأيتها في علاقة حب جديدة مع معلم من أهل الديوانية.
كدت أسقط على الأرض من الضحك وقلت: وأقراط روزا لوكسمبورغ؟
قال: أهديتها لمتحف في وارسو، بعد أن أريتهم صورة روزا لوكسمبورغ وهي ترتديها، وأقنعتهم أنها أقراطها هذه التي معي الآن.

اترك رد