حول مبادرة “إقرأ” العراقية… هل يمكن إنقاذ الكتاب الورقي في زمن الذكاء الاصطناعي؟

منبر العراق الحر :

في العام 1967، نشر المفكّر الألماني فولفغانغ إيزر كتاب “فعل القراءة”، وطرح من خلاله أنماط القراءة وأصناف القرّاء.

وما تبقّى من كتاب الستينات إلى اليوم هذه الجملة: “لا يمكن القول بأنّ القارئ المثالي يوجد موضوعياً، في حين أنّ القارئ المعاصر يصعب تكييفه في شكل من أشكال التعميم، رغم أنّه موجود من دون شك”. وهو محقّ في ذلك، لأنّ مثالية القارئ محكومة بالحقبة التاريخية، وخصوصيات الحقبة هي التي تطبع خصوصية القارئ وتُخضعه لسياقاتها.

قد يكون من الصعب مستقبلاً وربّما من الآن، المحافظة على القارئ بوسائطه التقليدية في عصر الرقمنة والمزاحمة مع الذكاء الاصطناعي، لكنّ هذا ليس مستحيلاً إذا ما جوبه بمبادرات وتحرّكات واجتهادات ومشاريع، لتقديم الكتاب بمقاييس تستجيب لخصوصية العصر وعرضه في إطار منظومة محفزّات وتشجيع. فالحاجة إلى الكتاب لا تنتهي مع أي عصر، مهما كانت درجة تطوره وثورته الرقمية. فهل ممكن أن يهجر الشباب الكتاب إذا توفّرت له تلك المحفّزات للقراءة؟

 

 

مستقبل القارئ

قد يذهب بعضهم إلى أنّ استمراريّة معارض الكتب المحليّة والدّولية والإقبال المكثّف عليها، تظلّ من المؤشرات المهمّة إلى إقبال الشباب على الكتاب الورقي. ولكن هل كلّ زائر بالضرورة هو قارئ أو كلّ زائر بالضرورة سيشتري الكتب؟

من هذه الزاوية تحديداً، يمكن القول إنّ المعارض مدعوّة إلى خلق محفّزات للتشجيع على القراءة والمطالعة، وغرس ثقافة شراء الكتاب، كحاجة أساسية بين مختلف الحاجات أو المرافق الضرورية التي يحتاجها الإنسان لتأمين حياة كريمة.

في الدورة الماضية من معرض النجف الدولي للكتاب في العراق، الذي أُقيم خلال شهر أيار (مايو) الفائت، تضاعف عدد المقبلين على هذا المعرض من فئة الطلبة والشباب عموماً، على خلفية مبادرة وزارة الشباب والرياضة، تحت إشراف وزيرها أحمد المبرقع وعنوانها “إقرأ”. وتتمثّل المبادرة في منح وصل شراء كتب للشباب بقيمة 25 ألف دينار وتمكّنه من التسوق من أي دار نشر في المعرض.

وللحصول على القسيمة المختومة من اللجنة المشكّلة من الوزارة، ينبغي أن تتراوح أعمار الشباب من 15 إلى 30 سنة، بعد إبراز هوية الأحوال المدنية مستنسخة، أو هوية الجامعة للطلاب الجامعيين وتوثيق الأسماء من قِبل اللجنة المشكّلة من قسم الثقافة  دائرة ثقافة وفنون الشباب.

وقد تمّ توزيع 500 بطاقة في الأيام  الثاني والثالث والرابع والخامس من المعرض، وتمّ شراء ما يقارب 1500 كتاب من المعرض، عن طريق مبادرة الوزارة.

ولتحفيز الشباب أكثر على التفاعل مع المبادرة، نظّمت وزارة الشباب والرياضة العراقية ندوة علمية تتضمن محورين أساسيين: الأول، الشباب والأمن والسلام، والثاني لتعزيز وعي الشباب بقواعد مكافحة المنشطات، وتمّ الإعلان عنها في موقع إعلام المعرض، وكذلك بعض القنوات المتواجدة في المعرض.

وفي حديث لـ”النهار العربي”، أكّد الأستاذ حسن كاظم، وهو المشرف على تنفيذ هذا المشروع الثقافي والتربوي، أنّ الإقبال كبير ومهم ونوعي، كذلك للشباب العراقي، مؤكّداً أنّ وزارة الشباب والرياضة ستنظّم مبادرة مشابهة في بغداد أيضاً.

ما بعد المبادرة؟

كشفت هذه المبادرة وغيرها من المبادرات التي تُنظّم من حين إلى آخر، أنّ مصالحة الشباب مع القراءة وبخاصة قراءة الكتاب الورقي في عصر الذكاء الاصطناعي، ليس بسحر أو معجزة، وإنّما الأمر يتطلّب مجهوداً إضافياً في خلق محفّزات للقراءة.

لا وجود لقطيعة مع الكتب، وإنّما نعتقد أنّ القطيعة مع الظروف أو البيئة التي تستعرض هذا الكتاب. والعرض فنّ. فمثلما تتمّ العناية بالغلاف والورق والطباعة، من المهمّ العناية بأسلوب العرض وكيفية تقديم المنتوج حتى ولو كان ثقافياً.

في عصر الصورة والمشهديّة يبقى مهمّاً العناية بكلّ ما يشكّل هذه المشهدية. إنّ التعاطي مع الكتاب كمنتج، يخضع لشروط الدعاية والتحفيز لاستقطاب الشباب، قد يعيد بناء العلاقة بين هذا الشباب وموروثه الفكري والثقافي. ومن هذه الزاوية، تستمدّ مبادرة وزارة الشباب أهميّتها، ولكن أيضاً من زاوية الإهتمام بقطاع الكتاب في العراق، الذي فيه أكبر المكتبات لولا حرقها بعد الاحتلال. من مكتبة بغداد التي أسّسها هارون الرشيد، لتختزل في كتبها ستة قرون من فكر المسلمين في كلّ المجالات، بالإضافة الى الترجمات المهمّة، وإلى شارع المتنبي أو شارع المثقفين، لعلّ تلك التفجيرات التي دمّرت المباني لم تدمّر الروح والإرادة القادرة على إعادة البناء وتفجير الطاقات وليس القنابل.

 

 الأجيال المقبلة

 في حديث سابق مع “النهار العربي”، طرح الباحث والكاتب التونسي نزار شقرون، وهو الذي طرح موضوع حرق المكتبات والتدوين العربي والموروث الثقافي انطلاقاً من العراق، سؤالاً استنكارياً مستفزاً للعقل: (..) فإنقاذ “الكتب” وبالتالي إنقاذ “المعرفة”، هو إشارة إلى أنّ العالم الحديث مقبل على تحوّلات جذريّة وليست طارئة. إننا أمام تغيير سينسف الكثير من الثوابت، نظام عالمي جديد، أتساءل قبله عن مكاننا فيه؟ نعم، نحن العرب أين سنكون في المستقبل القريب؟ وما الذي سيحلّ بالأجيال المقبلة؟ وهل يستطيع النظام الثقافي العربي الصّمود أمام هذه التغييرات؟ ثمّ ألم يحن الوقت للتسليم بالمنزع الإنساني كي يكون “خيمتنا” المشتركة قبل حلول العاصفة؟

ربّما لا نستطيع الإجابة الآن عن هذه الأسئلة، ولكن من الضروري الإرتكاز على التجارب والمبادرات الثقافية المهمّة، للتحفيز على القراءة وبناء معرفة الجيل الجديد والأجيال المقبلة، بمقاييس جديدة، قبل حلول العاصفة”، كما يقول الدكتور نزار شقرون. ومبادرة “إقرأ” في العراق خطوة أولى نحو ذلك.

تونس – بثينة عبدالعزيز غريبي…النهار العربي

اترك رد