مقامات المحنة ** د. بشرى البستاني

منبر العراق الحر :
تائهةٌ ..
يُغري بي الينبوعَ ذا الجدبُ
أبحثُ عن سرابْ
عن حكمةٍ
يُضيئني منهلُها العذبُ
تقولُ لي :لا تجزعي
يُقارعُ الوحشةَ هذا الشدُّ والجذبُ
**
نوافذي عاريةٌ والبابُ مكسورُ
والفجرُ خلف الباب مذعورُ
تمتصّهُ العتمةُ والطيرُ أبابيلُ
مفتاحهُ يلوبُ في الفلاةْ
سيدتي ،
سيدةَ البروقِ والهباتْ:
كيف العبورُ
وخلفَ هذا السور سورُ
**
من آيةٍ لآيةٍ تأخذني الأطوارْ
أبحثُ عنكَ في شِعابِ الليلِ والنهار
تُطلُّ لحظةً وتختفي
تصرعني الفتنةُ يا مُعذبي
خذني إلى قرارْ
**
وأينما ذهبتُ مطلولٌ دمي
أجهلُ ما جنيتْ
أجهلُ ما جريرتي
لا أعرفُ الحاكمَ، لا الشاهدَ،
لا العدوَّ ، لا الصديقْ
لا أعرفُ الطريقْ
يا حاجبَ الأسرارِ أدركْ محنتي
فخمرتي نقيةٌ ،
وسيفهمْ بتّارْ
**
مُرَّ على حدائقي ،
فالوردُ ظمآنُ
وخاتمُ النبوّةْ
يضيقُ حول إصبعي
وفي سرير الريحِ
يستيقظُ ُ ريحانُ.
**
أقرأ في صمتكَ أشجاراً من الحكمةِ
أسراراً من اللوعةِ
أسفاراً من الأشجانْ
وأبصرُ التفاحَ مصلوباً على الأغصانْ
البجعُ الأزرقُ خلف السور مأسورُ
والنايُ مكسورُ
لا ليلَ خلفَ الليل يا سجّانْ
رسائلُ الصباحِ إذ تقولُ: لا احبكْ
يبتسمُ الوردُ
وأخسرُ الرهانْ
**
مُلتاعةٌ بنشوتي أموتْ
وجهكَ ينسلُّ على ليليَ والأورادْ
أعرفهُ في رعشة السقوف والأبوابْ
في وجعٍ من موجةٍ لموجةٍ يسري
أعرفُهُ بلوعة الأسرارِ في الزهر
من صحوةٍ تشهقُ في عطري ومن
برقٍ سرى في هذه الأصفادْ
فأيقظ الياقوتْ
**
أضيعُ في الصحراءْ
أراكَ في أسرارِها،
في السمكِ الأخضرِ في عرارِها،
في غربة الرَّندِ
يا مُشعلاً وجدي
غابت خطاي في خطاكَ
مالت الموجةُ ، يا أللهْ ..!
من أين هلّتْ هذه الأضواءْ
**
ما أنت من حدَّثني عن بهجة الحبِّ
أنت الذي أسلمني لفتنةِ الدربِ
أشرع لللّيْلَكِ شباكي وللأوصابْ
وصار منفايَ ولا أدري
أطعتهُ ،
أضعتُ في شعابه أمري
فأقفل الشِّعابَ ثم غابْ
***
ضائعةٌ في كلِّ سرٍّ
أقتفي خطاكْ
طافيةٌ فوق غصون الضوءْ
عالقةٌ في قطَراتِ الماءْ
أسمعُ صرخةَ الصحراءْ
أعثرُ إذ تأخذني الصيحةُ
أو تسلمني السكرةُ للسكرةِ
والصحوةُ للغيوبْ
اسري بظل غيمةٍ اوغمرةٍ
أبحثُ عن محبوبْ
ينهمرُ الوردُ على أردانهِ
ينأى إذا اقتربتْ
يصعدُ كلما سموتْ
فيختفي وأختفي
لا أحدٌ يعرفُ ما يجري
**
كزهرة الرمانِ
صامتٌ تُظِلُّ بالأمانْ
لواعجَ القصيدةْ
يأخذني الضَّلالُ للحكمةِ
والحكمةُ للضلالْ
والروحُ في فِخاخِ هذه المكيدةْ
مأخوذةٌ بزهوة الغلالْ
**
حبكَ ألوانُ
ففي الصباحِ دهشةٌ
وفي الأصيلِ بهجةٌ
والليلُ لوعاتٌ وأشجانُ
يا كاهنَ الأسرارْ
لا تطفئ القنديلْ
خذني إلى حبيبي
فقهوتي دافتةٌ
واللوزُ في الحقولْ
يسأل عن ظِلال من كانوا هنا
سنبلةٌ وسعفةٌ،
وشوكةٌ عذولْ
ووردةٌ وقصةٌ تطولْ
***
لن يستمرَّ الهجرُ، لا أحدْ
سينزعُ الخمرةَ من كاسي
تركتُ فوق جيدهِ عبيرَ أنفاسي
فأغمض العينينِ ، ثم صاحْ:
هاتِ يديكِ، اقتربي أكثرَ
إن الأرضَ حولنا تدورْ
فأسدلتْ ضفائري حريرَها
وهبّت العطورْ
مجنونةً في رقصة الموجِ ،
وفي تكسّر الأقداحْ
أسألُ عن .. حبيبي
عن وطنٍ ضاع وعن جريرة التفاح.
**
حين يُطلُّ البدرُ من علاهْ
وشرفتي تفتحُ للأنوار ساعديها
يفوحُ من عطركَ ما يفوحْ
ينفرطُ الرمانُ في أغصانهِ
والوجدُ في شذاهْ
ويخجلُ البدرُ الذي أطلَّ من عُلاهْ
**
خذني إلى البنفسج المقتولِ في البراري
خذني لتشرينِ
نرجسةٌ في الروحْ
ترنو إلى التأويلِ كي تبوحْ
كي تطفئَ الغليلَ
كي تغادرَ القضبانْ
لن يصدأ المفتاحُ يا سجانْ
ما دام هذا الصمتُ يسبيني
يُشعلُ في الليل تلاويني
دجلةُ بالظلالِ تكويني
والنخلُ آياتٌ وأورادُ
صمتي على صمتك ميعادُ.
***
مقتولةٌ ..
في كل ركن مُضغةٌ من جسدي تئنُّ
تبحثُ عن قاتلها
القاتلُ مطمئنُّ
يرقبُ من بعيدْ
أميرةَ الضوء التي ترفل بالقيودْ
تنتظر الكفَّ التي تزيحُ عن جبينها الحمّى
وعنْ يديها هبوةَ اللهبْ
الوجدُ ليس قبلهُ أحدْ
وليس بعدهُ أحدْ
الوجدُ في كمدْ
**
شاردةٌ اليكْ
اقطفُ من غصون بهجتي
ورداً ، ومن عينيك ضوءاً
أسألُ الشارد والواردَ والغادينْ :
أحبُّ ..
لا أحبُّهُ..
أوقدْ..
أصيحُ .. يا مددْ
**
من اين تأتي خلوتي في الليلِ
خُلسةً تضيئها
تُغري بها الظنونْ
تقذفني من رقصة الجنونِ يا معذبي
لوحشة الحنين
رسائلي اليك غربتانْ
خصركَ بين ساعديَّ غصنُ بانْ
معطرٌ بلهفتي
مشتعلٌ بلوعتي
نايٌ من القسوة والحنانْ
يربكُ أسبابي وغاياتي
**
أنت الذي كتبتني
أمليتني عليَّ في قلب الدجى
وقلتَ لي:
لا تخبري أحدْ
…………………..
السرُّ يستريبُ، السرّ محنتي
ودوحتي العصيةْ
يا لؤلؤ الشواطئ القصيةْ
أنا وأنت يا حبيبْ
قلبانِ في كمدْ
والروحُ في رغدْ
**
أرسمُ من حروفكَ التي تُضيءْ
أرسمُ بستاناً من النارنجِ
والسفرجل العطشانْ
بساطها زبرجدٌ
والدوحُ أرجوانْ
وأفقها سربٌ من الهديلْ
يهفو اليكَ ،
للمقامات التي رفتْ على لحن الصَّبا
يا بدرَها الكحيلْ
**
حين ذهبتَ انطفأتْ شمسُ الضحى
ومالت الريحُ
وانكسرتْ فيَّ تباريحُ
الغصنُ مجروحُ
جفَّ الندى
وانسلت الروحُ
تتبعُ ما ترسم من أثرْ
خطاكَ في المدى
**
ضائعةٌ بين المفازاتِ وواحاتها
مكسورةُ النداءْ
خائفةٌ من الغيابِ
معروقٌ دمي
أطوفُ في متاهة اليبابْ
امننْ على العطاش يا معذبي
برشفةٍ من ماء
**
قلبيَ في يديكَ عنقودٌ من النيرانْ
لا تحتجبْ وافتح ليَ الابوابَ
كي أغيبَ في خيط السرابِ
في تكسّرِ آلالوانْ
مفتونةٌ بطلّة البهاءِ إذ تجيءْ
تشدّ جرحاً عافهُ الركبانْ
مذْ أسرج الزمانْ
غزلانهُ وخانهُ الرهانْ
**
الموجُ يَاحبيبْ
يَمنَعني المَنَامْ
يَجتَاحني بِالسَّمَكِ الأَخضَرِ وَاليَمَامْ
أرقصُ وسط خيلكَ الجموحةْ
طافحةً بالنَّار والنَّوارسِ الجريحةْ
أمدّ كفيَّ إِلَى عينيكْ
أرمي بِوَردِي كُلّه إليكْ
تلقفهُ الزَّوبعةُ المُريبة
فأشربُ الدَّمعةَ وَالغَصنَ الَّذِي أهديتني إياهْ
وتذبلُ النُّجومُ فِي السِّلالِ،
يَذبلُ العنقودُ فِي شذاهْ
مَن يقرأ الرَّملَ عَلَى كفيَّ
يَحمِلُ السَّلامْ
مِنَ الغَريب للحبيبِ يا حمامْ
***
حين يكون الصَّمتُ سُؤالاً للعصيانْ
أعرفُ أَنَّ الحبَّ رِهانْ
وَحِينَ يَكُونُ قلبكَ قَفَصَاً لِقَلبِي
أعرفُ أَنَّ الجَنَّةَ هُناكْ
شِعابُ الكون..كلها تئنُّ فِي جرحي
هل تسمع ..!
***
الحبُّ لا يسألُ عنك ، الحبْ
ملتفتٌ إليكَ في عجبْ
يقولُ لي : دعيهِ خائفاً ،
يهابُ هذا النبعَ في عينيكِ
والضوءَ في نداء ساعديكِ
ولؤلؤَ الدموعِ عنقوداً من العبيرْ
يشربهُ في رحلة الحرير
الحبُّ قال لي :
يجيئْ
**
يا قمرَ البستانِ
يا غريبْ
تعالَ أو لا تجئْ
انكشف الحجابْ
وألقتِ الأسرارْ
سدولَها،
وصرتَ يا معذبي
مفتاحَ كلِّ بابْ

اترك رد