قراءة أدبية – فلسفية في القصة القصيرة( العطش) للأديبة زينب عبدالكريم التميمي …. بقلم : عبدالكريم السعيد

منبر العراق الحر :

المقدمة:

تتألق القصة القصيرة “العطش” للأديبة زينب عبدالكريم التميمي كلوحة فنية عميقة، تبرز الوحدة والغربة والعلاقة بين الإنسان والآخرين. إنها رحلة في أعماق النفس البشرية، حيث تبحث البطلة عن خلاص لها من وحدتها وغربتها.

التحليل :

تعيش البطلة في عزلة ووحدة بعد أن رفضها المجتمع بسبب مظهرها، مما يؤدي إلى شعورها بالغربة عن العالم من حولها. ومع ذلك، فإنها تجد ملاذًا لها في فنها واهتمامها بوالدها المتوفى، فتتألق روحها بالحياة من جديد. ومن خلال هذا الفن والاهتمام، تجد البطلة وسيلة للتغلب على وحدتها وغربتها.
يلعب الصيام واستقبال شهر رمضان دورًا هامًا في هذه القصة، حيث يمثلان فرصة للبطلة للتأمل والتفكير في حياتها ومكانتها في العالم. الصيام يمكن أن يكون وسيلة للتطهير الروحي والجسدي، ويمكن أن يساعد الإنسان على التغلب على رغباته وشهواته. ومن خلال التأمل والتفكير، تجد البطلة وسيلة للتغلب على مشاعرها السلبية.

كما أن الذاكرة والتمثيل يتداخلان في القصة، حيث تحتفظ البطلة بذاكرة والدها وتجسدها في تمثال خشبي، مما يدل على أن الذاكرة والتمثيل يمكن أن يكونا وسيلة للتغلب على الفقدان والوحدة. ومن خلال هذه الذاكرة والتمثيل، تجد البطلة وسيلة للتواصل مع والدها المتوفى، وتجاوز وحدتها وغربتها.

الدلالات الادبية والشاعرية :

نجد ان الدلالات الأدبية واضحة في القصة حيث
تستخدم الكاتبة الرمزية في القصة لتعبر عن أفكارها ومشاعرها، فمثلاً، يمكن أن يرمز “العطش” إلى العطش الروحي والعاطفي للبطلة.

كما ان الكاتبة تستخدم التشخيص لتعطي الحياة للمواضيع والأشياء، فتجعل القارئ يشعر بالحياة في كل كلمة.

كذلك ان القصة تعبر عن الوحدة والغربة التي يعاني منها الإنسان في المجتمع، وتظهر كيف يمكن أن تؤثر هذه المشاعر على النفس البشرية.
فان الكاتبة تستخدم الصور الشعرية لتعبر عن مشاعر البطلة وأفكارها، فتجعل القارئ يشعر بالجمال والعمق في القصة.

كذلك تستخدم الكاتبة الإيقاع اللغوي لتعطي القصة جمالاً خاصاً، وتجعل القارئ يشعر بالانسجام مع الكلمات.

نجد ان القصة تعبر عن المشاعر الإنسانية العميقة، وتظهر كيف يمكن أن تؤثر هذه المشاعر على النفس البشرية.

الدلالات الفنية :

نلاحظ ان القصة تتضمن دلالات فنية حيث تستخدم الكاتبة التصوير الفني لتعبر عن أفكارها ومشاعرها، فتجعل القارئ يشعر بالحياة في كل كلمة.
كذلك تستخدم الكاتبة الرموز الفنية لتعبر عن أفكارها ومشاعرها، فتجعل القارئ يفكر في المعاني العميقة وراء الكلمات.
كذلك فان القصة تعبر عن التأثير العاطفي للوحدة والغربة على النفس البشرية، وتظهر كيف يمكن أن تؤثر هذه المشاعر على الإنسان.

الدلالات الفلسفية في القصة :

القصة تقدم رؤية فلسفية عميقة حول الوحدة والغربة والعلاقة بين الإنسان والآخرين. يمكن أن تكون الفنون والاهتمامات وسيلة للتغلب على الوحدة والغربة، كما أن الذاكرة والتمثيل والصيام والتأمل يمكن أن يكونا وسيلة للتطهير الروحي والجسدي.
الوحدة والغربة يمكن أن تكونا نتيجة للرفض المجتمعي والتمييز، لكن يمكن التغلب عليهما من خلال الفن والاهتمام والعلاقات الإنسانية. الصيام والتأمل يمكن أن يكونا وسيلة للتطهير الروحي والجسدي، كما أن الذاكرة والتمثيل يمكن أن يكونا وسيلة للتغلب على الفقدان والوحدة. من خلال هذه الرؤية الفلسفية، يمكننا أن نفهم أكثر حول كيفية التعامل مع الوحدة والغربة، وكيفية إيجاد الخلاص في الفن والعلاقات الإنسانية.

الخلاصة:

لذا فان القصة القصيرة “العطش” فضلا عن دلالاتها الأدبية والشاعرية والفنية فإنها تحمل دلالات فلسفية عميقة، تبرز من خلالها مواهب الكاتبة في تصوير الوحدة والغربة والعلاقة بين الإنسان والآخرين.
في النهاية، يمكن القول أن القصة تقدم رؤية فلسفية عميقة حول الوحدة والغربة والعلاقة بين الإنسان والآخرين. يمكن أن تكون الفنون والاهتمامات وسيلة للتغلب على الوحدة والغربة، كما أن الذاكرة والتمثيل والصيام والتأمل يمكن أن يكونا وسيلة للتطهير الروحي والجسدي. من خلال هذه الرؤية الفلسفية، يمكننا أن نفهم أكثر حول كيفية التعامل مع الوحدة والغربة، وكيفية إيجاد الخلاص في الفن والعلاقات الإنسانية.
من خلال هذه الدلالات في القصة القصيرة ( العطش ) تبرز مواهب الكاتبة زينب التميمي في تصوير الوحدة والغربة والعلاقة بين الإنسان والآخرين..

…..

قصة قصيرة ..
بقلم زينب عبد الكريم التميمي

عطش…

وأنا أرصد حركاتها في المنزل بروح شغوفة لاحتضانها وبجزع الفقد أعود أرفرف حولها بروحي التي لم يتبق لي سواها ،وقفت هي على مقربة من شباكها المشرع على اخره
تروّض أفكارها لتستقيم أنفاسها بعد أن أخذت شوطا في تحضير مستلزمات الصيام ،الليلة الأخيرة من شعبان،الفوانيس والأهلّة الخشبية المدهونة باللون الأزرق والأبيض كما المصابيح الملونة تملأ المكان ،حتى الطاولة غلفتها بمفرش طرزتهُ بلآلئ ملونة ورسوم إسلامية كل مافوقها من أكوابِ ومواعين تحملُ دلالاتٍ رمضانيةٍ جميلة .
احتضنتْ وحدتها نسمات مارس الليلية،برد لادغ وحنين لم تروِ ظمأه روح، أغلقت الشباك و دخلتْ لترتيب ماتبقى من مائدة السحور ، أخذتها نظرةٌ الى يديها وهي تمسّدُ على بقعِ البُهاق المنتشرة عليها
: هل يمكن لمثل هاتين اليدين المريضتين أن تصنع الجمال ؟ .. ضحكة ساخرة تحاول أن تسكتها يشقها تمتمات أخرى مسموعة
:”الجمال جمال الروح” كم كاذبون هم .لم ألمس منهم غير الرفض .
دارت متجهة نحو المائدة، جلست ، تطلعت قبالتها ،عدلت ياخة قميص بجامته وأنا انظر إليهما ودفقات قلبي تكاد تعصرني ألما ، قالت
: أبي أعددتُ لكَ طبق الرز مع اللبن الرائب الذي تحبه، و قطع الخبز المعجون باللحم .
وضعت الأطباق أمامهُ، أطالت النظر إليه ، لم يكن ثمة مايشغله عنها يوما فكانت كل حياته ،كان رجلها الوحيد بعد أن شحّ العرسان على بابها رافضين جسمها المتصبغ الذي غطى أثره على ملامحها الجميلة و قدّها الممشوق وثقافتها العالية .
واحدٌ وثلاثون سنة مرت على رحيلي ،ومذ كانت هي في الخامسةمن عمرها ، أنا بوجعي وهي بوحدتها،اختارت العزلة عمن حولها من الناس، صنعت الأعمال الخشبية وعمل اللوحات الفنية،كانت كل مرة تضغط إزميلها وكأنها تزهق أرواحهم فيه وهي تحفر قطعَ الخشبِ تلك ، تدوس وتدوس بكل قوتها وكأنها تذل هشيم وجوههم تحت يديها وبدون وعي، لم تكن لترحمه حتى يتراءى لسمعها أحيانا صوت الخشب يصرخ تحت مقصلته فتصرخ معه، كانت تنتقم منهم جميعا لألم روحها وألم والدها من القهر والحزن عليها ..لكن لا تلبث برهة حتى تعود من هذا التيه لائمة نفسها على هذا الحقد الذي تلبّسها فتجثو بالبكاء .

علا صوت التمجيد من مآذن المدينة ،ثم… اِشرب الماء وعجل،
سرحتْ فيه ، ولبرهة اِنتبهت أنها لم تأكل شيئا ،بدأ الوقت يداهمها، أسرعتْ لشرب الماء قبل الإمساك، تذكرت والدها، منعت الكأس عن فمها،قدمتها له ، نستْ أنه مجرد قطعة خشبية صممتها لتسدّ فراغه على المائدة .

اترك رد