منبر العراق الحر :
الاعتداء السافر الذي شنّته إسرائيل وأمريكا على إيران، لم يكن مفاجئاً في سياق التصعيد المتراكم، فقد بدا الطرفان وكأنهما يستعدان لمواجهة مؤجَّلة منذ حرب الأيام الاثني عشر في حزيران 2025. غير أن الصدمة جاءت في الخسارة الاستراتيجية الثقيلة التي وقعت في الساعات الأولى من العدوان، باغتيال المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي وعدد من قيادات الصف الأول.
كان المرشد قد توعّد بحرب مفتوحة إذا تعرّضت إيران لاعتداء أو استهداف مباشر، وجاءت أحداث اليومين الماضيين، بزخمها العسكري الكثيف، وكأنها تحقق نبوءة التصعيد التي لوّح بها السيد المرشد، لكن تسارع الوقائع وتشابكها جعلا المشهد أعقد من أن يُقرأ بانفعال أو يُختزل بشعار.
في العراق، تأثّرت قطاعات واسعة من المجتمع بهذا الحدث الجلل، خرجت تظاهرات عزاء وتشييع رمزي، وأعلنت الحكومة الحداد ثلاثة أيام، كما أقامت مؤسسات رسمية وتنظيمات سياسية مجالس تأبين وخطابات رثاء، في المقابل، اندفع بعض الشباب المتحمّس، بدوافع وجدانية أو توجيهات سياسية ، نحو المنطقة الخضراء والجسر المعلق لاقتحام الخضراء، حيث مقار الحكومة والمؤسسات الأمنية، في محاولة للاعتداء على السفارة الأمريكية، ما أحدث مصادمات مؤسفة.
وعلى صعيد موازٍ، أعلنت بعض فصائل المقاومة الإسلامية العراقية المرتبطة بإيران دخولها الحرب إلى جانب طهران، رغم عدم صدور قرار رسمي من الحكومة العراقية، ورغم تحفّظ مرجعيات سياسية شيعية على الانخراط العسكري المباشر.
هنا يتكثّف السؤال المعلّق:
هل يحتمل العراق كلفة الانخراط في حرب مفتوحة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل؟
خوض الحرب ليس قراراً انفعالياً، ولا بياناً عاطفياً، ولا استجابة لصدمة وجدانية، إنه قرار سيادي تاريخي، تتقاسمه السلطات الدستورية والقوى الوطنية كافة، ويستدعي أعلى درجات التوافق الداخلي. الحرب تعني استعداداً اقتصادياً متيناً، وقدرة تسليحية محسوبة، وبنية لوجستية وإدارية قادرة على إدارة الصراع واستدامته، وتحمل خسائره البشرية والمادية، واستيعاب ارتداداته الإقليمية والدولية.
الواقعية السياسية تشير إلى أن العراق يمرّ بجملة أزمات، اقتصادية وأمنية وتسليحية، فضلاً عن غياب الانضباط السياسي والفصائلي، وتشتّت القرار الوطني، ووقوع البلاد في فراغ دستوري لم يُحسم بعد بتشكيل حكومة جديدة!
أذن كيف يمكن لدولة لم تستكمل بنيتها السياسية، أن تدخل حرباً مفتوحة تتطلب وحدة قرار وصلابة مؤسسات؟
لقد خبر العراقيون عقوداً من الحروب، وما تزال آثارها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية قائمة، لذلك فإن الحذر ليس جبناً، والتريّث ليس تخلياً، بل هو فعل وطني مسؤول.
إن القراءة العقلانية لموازين القوى ومآلات الصراع، يجب أن تسبق أي اندفاع عقائدي أو تعبئة عاطفية.
الحذر هنا ليس موقفاً سلبياً، بل هو وعي سياسي، يهدف لحماية العراق من استنزافه في معركة لا يملك شروط إدارتها، وهو أيضاً دعوة إلى أن يكون قرار السلم والحرب قرار دولة، لا قرار فصيل، وقرار مؤسسات، لا ردّ فعل لحظة ضاغطة!
السؤال إذن ليس عاطفياً، بل وجودي:
هل مصلحة العراق اليوم في الانخراط العسكري، أم في تحصين جبهته الداخلية، وإعادة بناء دولته، ومنع انزلاقه إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية؟
إن الإجابة الواضحة والمسؤولة عن هذا السؤال واجب وطني عاجل، لأن الصمت عنه لن يؤجله، بل سيضاعف كلفته، ونتائج التردد أو التواطؤ أو الانفعال، لن تصيب طرفاً بعينه، بل ستطال الجميع بضرائبها الثقيلة ومحصلاتها الوخيمة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر