الإطار التنسيقي بين شبح الانقسام ومرشح اللحظة الأخيرة.. بقلم محمد اكرم التميمي

منبر العراق الحر :

واحدة من أكثر القضايا السياسية تعقيداً في العراق هي مسألة اختيار رئيس الوزراء ، لأنها لا ترتبط فقط بالاستحقاق الدستوري، بل تتصل أيضاً بطبيعة التوازنات داخل القوى المهيمنة على القرار والمشهد السياسي، ويدخل البلد مرحلة سياسية شديدة الحساسية مع بدء العدّ الدستوري لاختيار رئيس الوزراء الجديد، بعد انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية في 11 نيسان/2026، وهو ما يفرض على قوى الإطار التنسيقي بوصفه الكتلة الأكبر، حسم اسم مرشحها خلال مهلة دستورية لا تتجاوز خمسة عشر يوماً، غير أن هذا الاستحقاق لا يبدو مجرّد إجراء بروتوكولي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الإطار على إدارة التوازنات داخل بيته السياسي، وسط صراع واضح بين رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي، ورئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، مع دخول أسماء جديدة إلى التداول كمرشحين محتملين للتسوية.

ولم يعد الجدل داخل الإطار التنسيقي بشأن رئاسة الوزراء مجرد نقاش سياسي عابر، بل تحول إلى اختبار وجودي لقدرته على إدارة السلطة وتوحيد القرار، فالمعركة الدائرة اليوم بين المالكي والسوداني، مع تصاعد الحديث عن أسماء جديدة تدخل على خط الترشيح، تكشف بوضوح أن الإطار، رغم امتلاكه الثقل البرلماني والسياسي، ما زال عاجزاً عن حسم أهم استحقاق في الدولة.

من يقود الحكومة المقبلة؟

المشكلة لا تكمن فقط في تعدد الأسماء، بل في تضارب المشاريع والحسابات داخل البيت الشيعي نفسه، المالكي يدخل السباق مستنداً إلى ثقله التنظيمي وخبرته الطويلة وشبكة نفوذه الواسعة، ويرى فيه أنصاره رجل المرحلة القادر على ضبط إيقاع الدولة وإعادة الإمساك بمفاصل القرار، لكن خصومه، داخل الإطار وخارجه، ينظرون إلى عودته على أنها عودة إلى نموذج سياسي مثير للجدل، قد يعيد إنتاج الاستقطاب الحاد ويفتح أبواب التوتر الداخلي والإقليمي في آن واحد.

في المقابل، يقف محمد شياع السوداني الذي فازت كتلته “الاعمار والتنمية” اولاً في الانتخابات الاخيرة، بوصفه ممثلاً لخيار الاستمرار مستفيداً من موقعه التنفيذي، ومن صورة الرجل الذي أدار الحكومة في ظرف معقد، وأنصار هذا الخيار يراهنون على أن البلاد لا تحتمل مغامرة سياسية جديدة، وأن الاستقرار النسبي، مهما كان هشاً، يبقى أفضل من العودة إلى معارك كسر الإرادات، لكن هذا الطرح لا يمر بسهولة داخل الإطار، إذ ترى أطراف نافذة أن بقاء السوداني يعني تثبيت موازين قوة لا تخدم الجميع، كما أنه لا يقدم حلاً جذرياً للصراع على مركز القرار، بل يؤجله فقط.

أسماء جديدة تحت مظلة التسوية

وبين هذين القطبين، بدأت أسماء جديدة تظهر على المشهد، ليس لأنها بالضرورة الأقوى، بل لأنها تعبّر عن مأزق حقيقي، عندما يفشل اللاعبون الكبار في فرض أحدهم، تبدأ بورصة “مرشح التسوية” بالانتعاش.
وهذه الظاهرة ليست جديدة في السياسة العراقية، لكنها هذه المرة تحمل دلالة أعمق، لأن اللجوء إلى اسم ثالث يعني عملياً أن الإطار التنسيقي لم يتمكن من إنتاج إجماع داخلي، وأنه اضطر للبحث عن شخصية أقل استفزازاً، لا أكثر قدرة.

هذا التردد لا يعكس مرونة سياسية بقدر ما يكشف أزمة بنيوية في طريقة إدارة السلطة، فالإطار الذي قدّم نفسه بوصفه المظلة الأوسع للقوى الشيعية، يجد نفسه اليوم أمام سؤال محرج: هل هو تحالف قادر على اتخاذ القرار، أم مجرد تجمع قوى تؤجل صراعاتها إلى لحظة تقاسم المناصب؟ وإذا كانت الكتلة الأكبر غير قادرة على الاتفاق على رئيس وزرائها بسهولة، فكيف ستقنع العراقيين بأنها قادرة على إدارة دولة مثقلة بالأزمات؟

والأخطر في المشهد أن الصراع على المنصب يأتي في وقت لا يملك فيه العراق ترف الوقت، فالتحديات الأمنية، والتوازنات الإقليمية، والضغوط الاقتصادية، جميعها تجعل من التأخير في الحسم عبئاً سياسياً مضاعفاً، وكل يوم يمر من دون اتفاق واضح لا يعني فقط تعثر المفاوضات، بل يبعث برسالة سلبية مفادها أن الطبقة السياسية ما زالت تقدم حساباتها الخاصة على مصلحة الدولة واستقرار المؤسسات.

وفي الحقيقة، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد منافسة بين المالكي والسوداني، ولا مجرد تداول لأسماء جديدة، بل هو صراع على تعريف المرحلة المقبلة نفسها، هل يريد الإطار رئيس وزراء قوياً يفرض حضوره حتى لو أثار الانقسام؟ أم يريد رئيساً يضمن الهدوء ولو على حساب الحسم؟ أم أنه يتجه، مرة أخرى، إلى تسوية مؤقتة تنتج حكومة تعيش على التوازنات الهشة بدل أن تبني مشروع دولة واضحاً؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد أكثر من اسم رئيس الحكومة المقبلة، إنها ستحدد ما إذا كان العراق يتجه إلى تثبيت معادلة سياسية قادرة على الاستمرار، أم إلى جولة جديدة من التسويات القلقة التي تؤجل الانفجار ولا تمنعه، وحتى الآن لا يبدو أن الإطار التنسيقي قد حسم خياره بقدر ما يبدو أنه يحاول شراء الوقت، على أمل أن يفرض الضغط الدستوري والسياسي تسوية في اللحظة الأخيرة.

ويؤشر ظهور أسماء جديدة للترشح إلى ظاهرة مألوفة في النظام السياسي العراقي، هي ظاهرة “مرشح التسوية”، وعادة ما يبرز هذا النمط عندما تفشل الشخصيات الرئيسية في فرض نفسها أو في الحصول على قبول شامل من الشركاء الأساسيين.
إن طرح أسماء بديلة لا يعكس بالضرورة صعود قوى جديدة بقدر ما يعبر عن تعثر النخب التقليدية في حسم الصراع فيما بينها، لكن المشكلة أن التسويات المتأخرة، في التجربة العراقية غالباً ما تنتج حكومات ضعيفة منذ يومها الأول، ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيكون رئيس الوزراء؟ بل: هل سيأتي هذا الرئيس بتفويض سياسي واضح، أم كحل وسط هشّ ولد من رحم الخلاف؟ ذلك هو الفارق بين حكومة قادرة على الحكم، وحكومة تبدأ رحلتها وهي أسيرة من صنعوها.

وفي النهاية، قد يُحسم اسم المرشح، وقد تُفرض تسوية في اللحظة الأخيرة، وقد يظهر مرشح جديد من خارج دائرة التوقعات، لكن الأهم من كل ذلك أن العراقيين باتوا يدركون أن المشكلة لا تكمن فقط في من يجلس على كرسي رئاسة الوزراء، بل في الآلية التي توصله إلى هذا الكرسي، وفي طبيعة التفاهمات التي تحكمه منذ اليوم الأول. ولهذا، فإن معركة رئاسة الوزراء الحالية ليست مجرد معركة أشخاص، بل معركة على معنى الدولة نفسها، هل تبقى أسيرة التنافس بين مراكز النفوذ، أم تنجح أخيراً في إنتاج سلطة قادرة على إدارة الحكم.

اترك رد