منبر العراق الحر :…. بقلم : عبد الكريم حنون السعيد…
المقدمة :
تحمل القصيدة “ذكريات الأمس” للشاعر كوثر ابراهيم الشدود العديد من الدلالات الرمزية التي تعبر عن مشاعر الشوق والحنين إلى أيام الماضي وذكريات الطفولة والشباب التي كان يعيشها الشاعر والتي أصبحت ذكريات جميلة ممتعة تراود مخيلته وتبعث في نفسه الحنين والشوق والألم والأسى على انقضاءها بسرعة، ويتمنى عودتها واستعادتها مرة أخرى، ولكن تبقى مجرد أماني تراود النفس والمخيلة.
التحليل :
يوحي لنا الشاعر في قصيدته “ذكريات الأمس” بأن الذكريات التي كان يعيشها في أيام الطفولة والشباب كانت ذكريات سعيدة ومثالية. حيث يرمز إلى الذكريات الجميلة التي عاشها في الماضي بوصف “ريّاً من جنان”، والجنان يرمز إلى جمال تلك الأيام وكأنها جنة أو فردوس.
كما أن الشاعر يضيف على تلك الذكريات الجميلة صفة أخرى جميلة أيضًا تزيد من روعتها ومتعتها، وهي صفة الحلاوة والمتعة عندما يرمز إلى جمال وروعة وحلاوة تلك الذكريات ب “الشهد” وهو العسل.
وبسبب حلاوة تلك الأيام والذكريات وجمالها ومتعتها، فإن الشاعر يتمنى استعادة تلك الأيام، حيث يرمز إلى هذه الأمنية بكلمة “مُستعاد”، ولكنها تظل ذكريات فقط ولا يمكن استعادتها مرة أخرى.
كما أننا نجد ان الشاعر يتأسف على تلك الأيام والذكريات الجميلة بوصفها “دهورٌ امتطت سرج الثواني”، مما جعله يعيش الاسى والاسف على فقدانها وعلى سرعة انقضاءها، وكأنها مرت مرور “الثواني”، حيث يرمز بذلك إلى مرور الوقت وسرعته، وكيف أن الأيام تتلاحق بسرعة دون توقف.
ثم يشرح الشاعر لنا بوصف جميل حالته النفسية اليوم “لا عيونٌ هوَّمَتْ للنوم جفن” عندما يحاول أن يستعيد شريط ذاكرته، حتى جعلته يعيش الأرق، لذا يرمز إلى ذلك “بالأرق” والقلق الناتج عن التفكير في الذكريات والحنين والشوق إلى الماضي.
ثم يتساءل الشاعر عن مصير تلك الذكريات الجميلة ومصيرها “أين أطيافُ المنى راحت سُراعاً أسراباً صُيّرت تلك الأماني؟” حيث يرمز في هذا الوصف إلى فقدان الأمل والشعور باليأس، وكيف أن الأماني تتحول إلى سراب.
ويعاتب الشاعر قلبه الذي تعتمره حسرة شديدة على تلك الايام حيث يقول “ويح هذا القلب ماذا يتقي” ويرمز ذلك إلى الشعور بالحزن والقلق، بكلمة “ويح”، وكيف أن القلب يعاني من الشوق واللهفة. وكلمة “ويح” هي كلمة عربية قديمة تستخدم في الشعر العربي الكلاسيكي، وتعني “يا حسرتي” أو “يا أسفي”. عندما يقول الشاعر “ويح قلبي”، فهو يعبر عن شعوره بالحزن والأسى والشوق، وكأنه يقول “يا حسرتي على قلبي” أو “يا أسفي على ما أصاب قلبي”.مما اضاف صورة جمالية بليغة للقصيدة
كما نجد كذلك في هذا البيت الشعري من القصيدة صورة جميلة اخرى يرسمها الشاعر حيث يقول “صدى الذكرى رُديّني يماني” يرمز إلى وجع تلك الذكريات وكأنها تاثيرها غلى تفسه ب “صوت صدى” و “رديني” عندما تطرق على ذاكرته وقلبه، مما يشير إلى عمق تأثير تلك الذكريات على النفس، وكيف أن الذكرى تعيد الشاعر إلى الماضي.
ويعبر الشاعر عن قوة تأثير تلك الذكريات أيضًا بتعبير آخر جميل حيث يقول “عاثَ فيه فغدت أوتاره بلهيب الشوق تشدو ما شجاني” وهنا يرمز الشاعر إلى تأثير الشوق على النفس، وكيف أن الشوق يلهب المشاعر ويجعلها تشدو بالحزن.
كذلك يصف الذكريات بأنها جذوة نار متوقدة باستمرار في نفسه “ذكرياتي جذوة لا تنطفي” حيث يرمز بذلك إلى استمرار تأثير تلك الذكريات في النفس، وكيف أنها تشتعل كجذوة نار لا تنطفئ أبدًا.
ويستمر الشاعر في بيان تأثير تلك الذكريات على نفسه حيث يقول “فإذا ما خمدت عزّ بياني” وهنا نجده يرمز إلى تأثير الذكريات على الإبداع والشعر، وكيف أن فقدان الذكريات يمكن أن يؤثر على القدرة على التعبير.
الخلاصة :
بشكل عام، فإن القصيدة جميلة جدا ، ومعبرة و تصف مشاعر الشوق والحنين إلى الماضي، وأيام الطفولة والشباب في قلب الشاعر بصورة رائعة ، و يخبرنا الشاعر كيف أن الذكريات تظل حاضرة في النفس رغم مرور الوقت لجمالها ومتعتها وحلاوتها. وكيف انها تصبح هواجس شوق و حنين وجذوة نار مشتعلة تؤثر في نفسه، والتي سببت له معاتاة قاسية تجسدت على شكل أرق و قلق، مما جعلته يرسم صورة الشوق والحنين لتلك الايام والذكريات على شكل أماني واحلام على لوحة مخيلته و مرآة ذاكرته والتي يتمنى من خلالها استعادتها، ولكن تبقى ذكريات زمن انقضى وولى ولن تعود مرة أخرى.
القصيدة
للشاعر: كوثر الشدود
ذكريات الأمس ريَّاً من جنان بعثت في خاطري شهد الأغاني
عمرنا ومضةُ صفوٍ مُستعاد ودهورٌ امتطت سرج الثواني
لا عيونٌ هوَّمَتْ للنوم جفن او تعافت مهجتي من خفقان
اين اطيافُ المنى راحت سُراعاً اسراباً صُيّرت تلك الاماني؟
ويح هذا القلب ماذا يتقي وصدى الذكرى رُديّني يماني
عاثَ فيه فغدت اوتاره بلهيب الشوق تشدو ما شجاني
ذكرياتي جذوة لا تنطفي فإذا ما خمدت عزّ بياني
وفي الختام :
اتمنى للشاعر الرائع كوثر الشدود النجاح والتطور في عالم الشعر والادب الجميل …
عبد الكريم حنون السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر