منبر العراق الحر :
لم يعد الخلاف بين شعراء القصيدة العمودية وشعراء القصيدة الحديثة خلافًا فنيًا خالصًا، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى جدال حادّ تُستَخدم فيه الأحكام المسبقة أكثر مما تُستَخدم القراءة النقدية. هذا الجدل، في جوهره، لا يخدم الشعر بقدر ما يُربك المتلقي ويُقصي النصوص قبل أن تُقرأ. لذلك تبدو الحاجة اليوم ماسّة إلى إعادة النظر في لغة النقاش نفسها قبل إعادة النظر في القصيدة.
أحد أهم أسباب هذا التوتر يعود إلى المصطلحات المتداولة. فحين تُوصَف القصيدة الحديثة بأنها «قصيدة نثر»، يُفتح باب صراع لغوي قبل أن يبدأ النقاش الجمالي. كلمة نثر في الوعي العربي التقليدي تقف مقابل الشعر، لا بوصفها شكلًا آخر منه، بل بوصفها نقيضًا له. وحين تُقرَن هذه الكلمة بكلمة قصيدة، ينشأ تناقض اصطلاحي يثير الرفض، حتى لدى من لم يقرأ النص بعد. وهكذا يصبح الخلاف لغويًا قبل أن يكون شعريًا.
من هنا تنبع أهمية اعتماد توصيف أكثر حيادًا وأدقّ بنيويًا، يخفف من الاستقطاب ولا يلغي أي شكل شعري. فبدل الانقسام الحاد بين «شعر» و«نثر»، يمكن النظر إلى القصيدة العربية المعاصرة من زاوية الآلية الإيقاعية التي تشتغل بها، لا من زاوية الإقصاء أو الشرعية.
وفق هذا المنظور، يمكن تصنيف القصيدة إلى ثلاثة أنماط واضحة ومتكاملة:
القصيدة العمودية العَروضية، وهي القصيدة التي تخضع لنظام الوزن والقافية كما أسّسه علم العَروض، وتعتمد على وعي لغوي منضبط يجعل الشكل شرطًا سابقًا على القول.
والقصيدة الحديثة غير العَروضية، وهي قصيدة شعرية كاملة، لكنها لا تعمل ضمن المنظومة العَروضية، بل تعتمد الإيقاع الداخلي، والتوتر الدلالي، وحضور الفكرة قبل القالب.
ثم القصيدة الهجينة، أو قصيدة التفعيلة، التي تمثل منطقة وسطى، تحافظ على الإيقاع بوصفه عنصرًا أساسيًا، لكنها تمنحه مرونة أكبر دون الالتزام الصارم بالقافية أو البناء المغلق.
هذا التصنيف لا يُفاضِل بين الأشكال، ولا يُقصي أحدًا، بل يضع كل قصيدة في سياقها الطبيعي، بوصفها استجابة مختلفة لتحوّل الوعي الإنساني وتغيّر علاقته باللغة والإيقاع. فالقصيدة العمودية ليست أكثر شعرية لأنها موزونة، كما أن القصيدة الحديثة ليست أقل شعرية لأنها غير عروضية. الشعرية لا تُقاس بالميزان وحده، بل بقدرة النص على خلق معنى، وإيقاظ إحساس، وبناء رؤية.
إن حذف كلمة نثر من توصيف القصيدة الحديثة لا يعني إنكار تاريخها ولا مصادرها، بل يعني تحريرها من صراع اصطلاحي غير ضروري. فالقصيدة الحديثة غير العَروضية شعر، لكنها شعر يعمل بقوانين مختلفة، تمامًا كما تعمل الموسيقى الحديثة أحيانًا خارج السلم التقليدي دون أن تفقد صفتها الموسيقية.
إن تهدئة الجدل الشعري لا تتحقق بإلغاء الاختلاف، بل بإعادة تنظيمه. وحين نتعامل مع الأشكال الشعرية بوصفها تنوّعًا في طرائق إنتاج المعنى، لا ساحة لإثبات الشرعية، يصبح الحوار ممكنًا، ويعود الشعر إلى موقعه الطبيعي: نصًا يُقرأ، لا قضية تُحاكَم.
بهذا الفهم، لا يكون السؤال: أيهما شعر حقيقي؟
بل: كيف يشتغل هذا الشعر؟ ولماذا يختار هذا الشكل دون غيره؟
حينها فقط، ينتقل النقاش من الصراع إلى المعرفة،
ومن الانفعال إلى القراءة،
ومن الدفاع عن الشكل إلى الإصغاء للقصيدة نفسها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر