منبر العراق الحر :
في لحظةٍ تبدو فيها السماء هي التي تكتب عناوين 2026، يغيب عن كثيرين أن السؤال الأشد قسوة ليس: من ضرب من؟ بل: لماذا تجرأت امريكا على فتح “عمق” إيران الآن، ولماذا انفلتت الجغرافيا الإقليمية بهذه السرعة؟ هنا يصبح العراق ليس هامشاً للخبر، بل شرطاً مفسِّراً له: بغداد كانت منذ 2003 مساحة إعادة تركيبٍ لقواعد القوة، ومن رحم تفكيك الدولة واحتكار السلاح خارج مؤسساتها تَكوَّن فراغٌ استراتيجيٌّ يُغري أي مشروع تمدد، ويُسهِّل أي حرب تُدار بالوكلاء ثم تُحسم بالمركز.في التمهيد الذي تفرضه الوقائع لا الخطب، لا يمكن قراءة “التوقيت” الامريكي بمعزل عن انهيار رأس الهرم السلطوي في طهران. فالمشهد الراهن يؤكد أن المرشد الايراني علي خامنئي قُتل في ضرباتٍ أميركية–إسرائيلية، وأن الضربة لم تكن رمزية بل استهدفت طبقات القيادة والسيطرة، حتى إن رواياتٍ صحافية نقلت عن الجيش الإسرائيلي حديثاً عن قتل عشرات القادة الكبار في لحظة خاطفة، قبل الانتقال إلى ضرب مفاصل الأمن الداخلي ومراكز إدارة القمع في طهران، كما أوردت واشنطن بوست. وفي الوقت نفسه، تُظهر تقديرات واشنطن—وفق ما نقلته رويترز—تشكيكاً واضحاً في أن سقوط الرأس يعني تلقائياً سقوط الجسد، لأن بنية النظام لا تقوم على فردٍ فقط بل على شبكة مؤسسات أمنية–عقائدية تتكيف تحت النيران. ومع ذلك، فإن موت القمة يفتح الباب لما هو أخطر: اختراقات داخلية وانشقاقات صامتة، وتنافس على “الخلافة” في حربٍ لا تمنح ترف الانتظار، ما يجعل الدولة تُدار بعصبٍ مهتز، ويُغري الخصوم بتوسيع الضربات، ويُربك الحلفاء الذين كانوا يعوّلون على مركز قرار واحد.
بغداد بوصفها نقطة انكسار الردع…
المشهد يبدأ من بغداد بوصفها “السرعة الخفية” في انتقال أمريكيا من الردع إلى التمدد. فحين كانت الدولة العراقية تمتلك جيشاً متماسكاً وعقيدةً وطنية وسرديةَ ردعٍ إقليمي، كان الشرق العربي يتمتع بحاجزٍ صلب أمام أي هندسة توازنات جديدة. لكن ما بعد 2003 صاغ بيئةً مختلفة: دولةٌ تُستنزف من داخلها، وسلاحٌ يتكاثر خارجها، ومؤسسةٌ عسكرية تُفرَّغ من معناها لصالح منظوماتٍ مليشيات موازية. ليست هذه الفكرة أدباً سياسياً فقط؛ فالأحداث الجارية تُظهر كيف صار العراق ساحة ردٍّ بالنيابة وميدانَ تصفية حسابات. رويترز تحدثت صراحة عن ضرباتٍ في جرف الصخر جنوب بغداد أوقعت قتلى وجرحى في صفوف “الحشد”، بما يعني أن أذرع إيران داخل العراق باتت أهدافاً مباشرة في سياق الحرب الأوسع. وفي المقابل، رصدت واشنطن بوست احتجاجاتٍ قرب السفارة الأميركية في بغداد عقب الإعلان عن مقتل خامنئي والضربات التي طالت مواقع مرتبطة بفصائل موالية لطهران، بما يؤكد أن “الوظيفة” الداخلية لهذه التشكيلات ليست مقاومةً خارجيةً فقط، بل إدارة توترٍ سياسي–أمني في الداخل العراقي نفسه. هكذا يصبح “التوقيت” الامريكي مفهوماً: حين يتهشم الجدار الذي كان يُخيف، تتقدم الدول لا لأنها صارت أجرأ فحسب، بل لأن كلفة المغامرة انخفضت، ولأن الساحة التي كانت تمنح عمقاً ردعياً تحولت إلى فسيفساء نفوذٍ مُعطِّلة.
ارتداد النار إلى فضاء الوساطة…
التشريحُ الاكلينكي لردّ إيران حين فقدت الرأس وتعرضت الأذرع للقطع يكشف مفارقة قاسية. الردُّ الذي سُمّي “انتقاماً” انزلق بسرعة إلى منطق عبثي في الحسابات الدبلوماسية، لأنه نقل النار إلى عواصم الخليج التي طالما لعبت دور الوسيط أو قناة التهدئة أو “الهاتف الخلفي” مع واشنطن. رويترز وثّقت أن إيران أطلقت صواريخ باتجاه الكويت وقطر والإمارات والبحرين، وأن هذه الدول أعلنت اعتراضها للمقذوفات في هجمات نادرة تُدخل الحرب إلى قلب مدنٍ كانت تتباهى بالأمن. والأشد دلالةً أن رويترز نفسها أشارت إلى أن هذه الضربات “ستصلّب” دعم حكّام الدول العربية لحملة الولايات المتحدة ، أي أنها عملياً تقلب المعادلة: بدل أن تشق صف الخصوم، توحّدهم عبر تحويل المدني الخليجي إلى متلقٍ مباشر للخطر. ومن هنا يتضح معنى “الخسارة الاستراتيجية”: إيران حين استهدفت فضاء الوساطة، خسرت شبكةً كانت تتيح لها تخفيض الاحتكاك وتبادل الرسائل، واستبدلتها بخصومةٍ تُقفل الأبواب وتدفع العواصم المترددة إلى التموضع على ضفة واحدة.
ثم إن تَمدد الردّ خارج الخليج العربي ودوله كشف هشاشة “محور الأذرع الايرانية” نفسه. في لبنان، لم يعد حزب الله يملك ترف العمل كدولة داخل الدولة؛ فبعد أول إطلاقٍ للطائرات المسيّرة والصواريخ باتجاه إسرائيل—كما نقلت رويترز—اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بحظر أنشطته العسكرية والمطالبة بحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، في إشارةٍ سياسية جارحة إلى أن لحظة الهيمنة القديمة تتآكل تحت ضغط القصف والخوف العام. وإسرائيل ردّت بضربات قاسية على مناطق نفوذ الحزب، فيما توسعت دوائر الاستهداف إلى مسؤولين أمنيين داخل بنيته بحسب ما أوردته رويترز. أما في شرق المتوسط، فقد سجّلت رويترز ضربة بطائرة مسيّرة من طراز “شاهد” استهدفت قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص—مع ترجيحات رسمية بأنها أُطلقت من لبنان عبر حزب الله—وهو تطور يوسّع الحرب من “نزاع إقليمي” إلى تماس مع أراضٍ سيادية بريطانية داخل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. هنا يصبح واضحاً أن طهران وأذرعها لم تعُد تُراكم أوراق تفاوض، بل تُراكم خصومات متعددة المسارح، وتفتح على نفسها جبهات لا تملك إدارة تصعيدها ولا هندسة تهدئتها.
أما السيناريوهات القادمة….
فيمكن قراءتها كمسارات لا كوعود. المسار الأول أن تترسخ “حرب الاستنزاف المركّبة”: ضربات جوية–صاروخية على البنية العسكرية الإيرانية مع قضمٍ تدريجي لقدرات الأذرع في العراق ولبنان وانهاء وجودها ، مقابل ردود إيرانية متقطعة على قواعد ومصالح في الخليج العربي والشرق المتوسط، وهو مسار يُطيل الحرب ويحوّل المنطقة إلى اقتصاد طوارئ وأمن موانئ وممرات. المسار الثاني أن يتشكل داخل إيران “مجلس انقاذ ” يختار تثبيت الدولة قبل العقيدة، فيعود إلى تفاوضٍ قاسٍ تحت النيران لتجميد الضربات مقابل تنازلات نووية وصاروخية، لكن هذا يصطدم—كما تشير رويترز—بتشاؤم أميركي من قدرة المعارضة أو التشظي الداخلي على إنتاج بديل سريع. والمسار الثالث هو الأخطر: انفلات الانشقاقات داخل النظام إلى صراع مراكز، فتتحول إيران إلى ساحة اقتتال نخبوي يضعف القبضة على الأذرع، فتتصرف كل ذراع بوصفها دولةً صغيرة تبحث عن بقائها، ما يعني مزيداً من الضربات الإسرائيلية ـ الامريكية ومزيداً من القرارات اللبنانية والعراقية التي تحاول—ولو متأخرة—استعادة احتكار الدولة للعنف المشرعن ضدها باسم المقاومة .
الخاتمة التي يفرضها هذا الزلزال ليست أخلاقية بل استراتيجية: حين يُقتل رأس الهرم في طهران وتُضرب الأذرع في بغداد وبيروت، يصبح السؤال عن “محور المقاومة” أقل إقناعاً من سؤال “منطق الدولة”. فالدول لا تحمي نفسها بالإنكار، بل بإعادة بناء مؤسسات الردع الوطنية، وبإغلاق منافذ التمويل الموازي، وبمنع تحويل أراضيها إلى منصات رسائل. إن عبثية ضرب الخليج العربي لم تُسقط صواريخ على مدنٍ فحسب؛ لقد أسقطت فكرة الوسيط وأحرقت جسور “الحياد النافع”، ودفعت المنطقة خطوةً إضافية نحو اصطفافٍ حادٍّ لا يرحم المترددين. وما لم تُستعد فكرة الدولة في العراق ولبنان بوصفها مركز القرار، ستبقى الجغرافيا تُدار كملف عمليات، وستبقى الحروب تُكتب فوق الركام ثم تُسوَّق كقدر .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر