النظام العالمي الجديد: هندسة الغابة وصناعة الوحوش البشرية…عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :
لم يعد الحديث عن “النظام العالمي الجديد” الذي تعمل على تشكيله الولايات المتحدة و”إسرائيل” عبر القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية، والذي تبدأ نواة بنائه من مشروع صناعة شرقٍ أوسطٍ جديد بقيادة وهيمنة مشروع “إسرائيل الكبرى” ، مجرد تحليلٍ سياسيٍّ لخرائط النفوذ؛ بل أصبح توصيفًا لمسارٍ ممتدٍّ لإعادة تشكيل المنطقة بوصفها المختبر الأول لإعادة هندسة العالم.
فالشرق الأوسط، بما يحمله من موقعٍ استراتيجي وثرواتٍ حيوية وتشابكاتٍ حضارية ودينية، ليس ساحةً هامشية في الرؤية الكبرى، بل نقطة ارتكاز يُعاد عبرها ترتيب موازين القوة العالمية. ومن هنا لا يُفهم مشروع “الشرق الأوسط الجديد” كشعارٍ إعلامي، بل كبنية تأسيسية لنظامٍ دوليٍّ مختلف المعايير، تُعاد فيه صياغة مفاهيم السيادة والشرعية والتحالف وفق منطق التفوق والهيمنة.
في هذا السياق تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط، والحدود إلى أوراق تفاوض، والهويات إلى عناصر قابلة لإعادة التشكيل. لا تُدار الصراعات بوصفها خللًا عابرًا، بل كآليةٍ لإعادة ترتيب الداخل السياسي للدول، وتفكيك البنى القديمة، وإنتاج واقعٍ أكثر قابلية للضبط وإعادة التوجيه.
غير أن أخطر ما في هذا المسار ليس إعادة رسم الخرائط فحسب، بل إعادة تشكيل البيئة الأخلاقية والسياسية ذاتها. حين يُعاد تعريف الأمن بوصفه تفوقًا دائمًا، وتُستخدم العقوبات والحروب كوسائل إعادة ضبط، يصبح العالم تدريجيًا أقرب إلى غابةٍ حديثة تُدار بأدوات تكنولوجية متقدمة، لكنها محكومة بالقاعدة القديمة ذاتها: بقاء الأقوى لا بقاء الأعدل.
وفي هذا المناخ، لا يبدو أن الإرهاب يُحارَب بوصفه ظاهرة ينبغي استئصالها جذريًا، بل يُدار ضمن سقفٍ يخدم توازنات معينة. فوجود تهديد دائم يبرر التدخل، ويمنح شرعية للعسكرة المستمرة، ويُبقي الدول الخارجة عن النسق تحت ضغطٍ دائم. وهكذا يصبح الخطر أداةً سياسية بقدر ما هو ظاهرة أمنية، وتتحول إدارة الفوضى إلى أداة من أدوات إعادة تشكيل المجال الإقليمي والدولي.
إن عالمًا يُدار بهذه الطريقة لا ينتج استقرارًا حقيقيًا، بل ينتج بيئةً خصبة لإعادة إنتاج الصراع. ومع الزمن لا تُصنع فقط حروب وأزمات، بل تُصنع أيضًا وحوشٌ إنسانية؛ أفرادٌ وجماعات تشكل وعيها في ظل الخوف والعنف المستمر، فتتآكل حساسيتها الأخلاقية، ويتحول الافتراس إلى سلوكٍ مبرر باسم الضرورة والبقاء.
وهكذا تتبلور “هندسة الغابة الحديثة”: نظامٌ عالميٌّ يُعاد فيه توزيع الأدوار بالقوة، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم وفق المصلحة، ويُعاد فيه تشكيل الإنسان السياسي تحت ضغط الصراع الدائم. وإذا استمر هذا المسار، حيث تُقدَّم الهيمنة بوصفها ضمانًا للاستقرار، ويُختزل القانون إلى أداة انتقائية، فإن ما يتشكل أمامنا ليس نظامًا عالميًا جديدًا بقدر ما هو انتقال تدريجي من عالم القانون إلى عالم الغابة.
لذا، فإن قوانين عالم الغابة الجديد، إذا كُتب لها أن تترسخ، ستكون قوانين تُدار بعقلية وحوش بشرية لا ترى في العالم إلا ساحة صراع مفتوح. عندئذٍ يصبح التوحش هو القاعدة، ويُقدَّم باعتباره مستقبل العالم الجديد لا استثناءه العابر. غير أن هذا المستقبل ليس قدرًا محتومًا؛ فالتاريخ كان دومًا ساحة صراع بين منطق الغلبة ومنطق العدالة، وبين إرادة الهيمنة وإرادة التحرر. والسؤال الذي سيحسم شكل الغد ليس من يملك القوة وحدها، بل من يملك القدرة على إعادة الاعتبار للإنسان قبل أن تكتمل هندسة الغابة.

اترك رد