منبر العراق الحر :…( الجزء الثالث من سلسلة : المرشد القادم )
الدكتور ثائر العجيلي
الافتتاحية:
في لحظات التحول الكبرى داخل الأنظمة الثورية، لا تكشف الأسماء وحدها عن طبيعة المرحلة الجديدة، بل تكشفها أيضاً الجهة التي تمنح القيادة الجديدة شرعيتها الأولى.
ولهذا لم يكن المشهد الأكثر دلالة في لحظة إعلان اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للجمهورية الإسلامية هو الاسم نفسه، بل سرعة مبايعة قادة الحرس الثوري الإيراني له وإعلان ولائهم للقيادة الجديدة منذ اللحظة الأولى.
ففي بنية النظام الذي أسسه روح الله الخميني بعد الثورة الإسلامية عام 1979، لا يشكل موقع المرشد الأعلى مجرد منصب ديني في قمة الدولة، بل يمثل مركز التوازن بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية التي أصبحت خلال العقود الماضية العمود الفقري للقوة داخل الجمهورية الإسلامية.
ومن هنا لم يُقرأ صعود مجتبى خامنئي في كثير من العواصم الإقليمية بوصفه مجرد انتقال للسلطة داخل النظام الإيراني، بل بوصفه مؤشراً على مرحلة جديدة قد يزداد فيها تداخل القيادة الدينية مع المؤسسة الأمنية التي يمثلها الحرس الثوري الإيراني.
أما في إسرائيل، فقد أثار هذا التطور سؤالاً أكثر حساسية: ليس من أصبح المرشد الجديد في إيران، بل أي نوع من القيادة يمثلها هذا المرشد، وكيف قد يؤثر ذلك في طبيعة الصراع القائم بين إيران وإسرائيل في السنوات القادمة.
1️⃣ المقدمة:
في الحسابات الأمنية الإسرائيلية يشكل منصب المرشد الأعلى في إيران مركز الثقل الحقيقي للنظام السياسي للجمهورية الإسلامية. فمن هذا الموقع تُرسم الخطوط الكبرى للاستراتيجية الإيرانية، وتُحدد طبيعة العلاقة مع القوى الدولية، وتُدار شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران في الشرق الأوسط منذ قيام الثورة الإسلامية التي قادها روح الله الخميني عام 1979.
وقد لعب علي خامنئي طوال أكثر من ثلاثة عقود دوراً محورياً في الحفاظ على توازن دقيق داخل بنية النظام الإيراني، حيث جمع بين الشرعية الدينية التي يمنحها موقع ولاية الفقيه، وبين القدرة السياسية على إدارة العلاقة بين المؤسسات المختلفة للدولة، وفي مقدمتها المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني.
لكن لحظة انتقال القيادة في طهران اكتسبت بعداً جديداً مع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد الجديد للجمهورية الإسلامية. فبالنسبة للمؤسسة الأمنية في إسرائيل لا يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها مجرد انتقال طبيعي للسلطة داخل النظام الإيراني، بل باعتبارها لحظة قد تعيد تعريف طبيعة القيادة في طهران، خاصة في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط مجتبى خامنئي بالمؤسسة الأمنية وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني.
ومن هنا فإن السؤال الذي يشغل دوائر القرار في تل أبيب لا يتعلق فقط باسم المرشد الجديد، بل بطبيعة القيادة التي قد يمثلها. فهل سيقود المرشد الجديد إيران في اتجاه استمرار التوازنات التي حكمت النظام خلال العقود الماضية، أم أن مرحلة ما بعد علي خامنئي قد تشهد صيغة مختلفة من توزيع القوة داخل الدولة، حيث يتقدم دور المؤسسة الأمنية والعسكرية في صناعة القرار الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية؟
ولا يقتصر القلق الإسرائيلي على البرنامج النووي الإيراني أو القدرات العسكرية التي طورتها طهران خلال العقود الماضية، بل يمتد أيضاً إلى البعد العقائدي للصراع. فبالنسبة لكثير من التحليلات الأمنية في إسرائيل، يمثل المرشد الأعلى المرجعية الفكرية التي تمنح الصراع مع إسرائيل طابعه الأيديولوجي العميق، وهو ما يجعل بعض الدوائر الاستراتيجية في تل أبيب تنظر إلى هذا الصراع بوصفه صراعاً طويل المدى يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.
ومن هنا يصبح السؤال حول المرشد الجديد في إيران أكثر من مجرد مسألة داخلية تخص النظام الإيراني؛ إنه سؤال يتعلق بطبيعة القيادة التي قد تعيد تعريف قواعد الصراع في الشرق الأوسط كله خلال السنوات القادمة.
2️⃣ المرشد كقائد عقائدي للصراع
في العقيدة الأمنية الإسرائيلية لا يُنظر إلى المرشد الأعلى في إيران بوصفه مجرد رأس للنظام السياسي، بل باعتباره القائد العقائدي الذي يحدد طبيعة الصراع نفسه. فموقع المرشد في بنية الجمهورية الإسلامية يجمع بين ثلاث سلطات متداخلة: السلطة الدينية التي تمنحه الشرعية الفقهية، والسلطة السياسية التي تجعله المرجع الأعلى للدولة، والسلطة العسكرية التي تضع القوات المسلحة، بما فيها الحرس الثوري الإيراني، تحت قيادته المباشرة.
ولهذا ترى كثير من التحليلات الأمنية في إسرائيل أن المرشد لا يمثل مجرد زعيم سياسي تقليدي، بل يشكل ما يمكن تسميته مركز العقيدة الاستراتيجية للنظام الإيراني؛ أي الموقع الذي تتقاطع عنده الرؤية العقائدية للنظام مع أدوات القوة العسكرية والأمنية التي يمتلكها.
A : العقيدة الثورية
تعود جذور هذا الدور إلى الثورة التي قادها روح الله الخميني عام 1979، حيث تأسست الجمهورية الإسلامية على فكرة أن النظام السياسي ليس مجرد دولة وطنية تقليدية، بل مشروع ثوري يمتلك بعداً عقائدياً يتجاوز الحدود الجغرافية للدولة.
ومن هذا المنطلق يرى كثير من الاستراتيجيين الإسرائيليين أن موقع المرشد الأعلى يمثل حارس الهوية الثورية للنظام، أي الجهة التي تضمن استمرار الخط الفكري والسياسي الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية منذ بدايتها، والحفاظ على الإطار العقائدي الذي يحدد رؤية النظام لدوره في المنطقة والعالم.
B : القيادة العقائدية للصراع
وبالنسبة لإسرائيل، فإن خطورة هذا الموقع لا تكمن فقط في قدرته على توجيه البرنامج النووي أو إدارة شبكة النفوذ الإقليمي، بل في كونه المرجعية التي تمنح الصراع مع إسرائيل بعده الأيديولوجي العميق.
ولهذا ينظر بعض المحللين في تل أبيب إلى المواجهة مع إيران بوصفها صراعاً يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية ليقترب من نموذج الصراع الصفري طويل المدى؛ حيث لا يتعلق النزاع فقط بتوازنات القوة العسكرية، بل أيضاً بالتصورات العقائدية التي تحدد طبيعة هذا الصراع وأهدافه الاستراتيجية.
ولهذا يردد بعض الباحثين في دوائر الأمن القومي الإسرائيلي فكرة أصبحت تتكرر في كثير من التحليلات الاستراتيجية:
“إذا كان النووي هو السلاح الأخطر لإيران، فإن العقيدة التي تحكم هذا السلاح أخطر بكثير.”
C : مركز الشرعية الاستراتيجية
ومن هنا يصبح المرشد الأعلى في التحليل الإسرائيلي أكثر من مجرد قائد للدولة؛ فهو يمثل مصدر الشرعية الاستراتيجية للنظام الإيراني. فقرارات الحرب والسلم، وتحديد طبيعة العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية، ورسم الخطوط الكبرى للسياسة الخارجية، كلها تمر في النهاية عبر هذا الموقع الذي يجمع بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية والقيادة العسكرية.
ولهذا فإن السؤال حول القيادة الجديدة بعد علي خامنئي، وخاصة مع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد، لا يُقرأ في إسرائيل بوصفه مجرد مسألة داخلية تخص النظام الإيراني، بل بوصفه سؤالاً يتعلق بطبيعة القيادة التي قد تحدد مسار الصراع الإيراني-الإسرائيلي في المرحلة القادمة.
3️⃣ كيف تفكر إسرائيل في “اليوم التالي لخامنئي”
في دوائر التقدير الاستراتيجي في إسرائيل يتكرر تعبير أصبح مألوفاً في تقارير الأمن القومي: اليوم التالي لخامنئي. فبالنسبة للمؤسسة الأمنية في تل أبيب لا تمثل مسألة الخلافة في إيران مجرد انتقال طبيعي للسلطة داخل نظام سياسي، بل لحظة قد تعيد تعريف طبيعة التحدي الإيراني لإسرائيل لعقود قادمة.
ولهذا تتابع مراكز الدراسات الأمنية الإسرائيلية، مثل معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إضافة إلى تحليلات صادرة عن مؤسسات بحثية غربية مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، سيناريوهات الخلافة في إيران بوصفها متغيراً استراتيجياً قد يعيد تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط.
ومن خلال قراءة التقارير الصادرة عن مراكز الدراسات الأمنية في إسرائيل، يمكن ملاحظة أن النقاش لا يدور حول اسم المرشد القادم فقط، بل حول النموذج القيادي الذي قد تفرزه لحظة الخلافة في طهران.
وفي هذا السياق يمكن تلخيص النقاشات الإسرائيلية حول مستقبل القيادة في طهران في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول
((مرشد متشدد: استمرارية العقيدة الثورية))
في هذا السيناريو يصل إلى موقع المرشد الأعلى قائد يتمتع بشرعية دينية كافية، لكنه في الوقت نفسه يرتبط بعلاقات وثيقة مع المؤسسة الأمنية والعسكرية، وخاصة الحرس الثوري الإيراني.
وبالنسبة لإسرائيل يمثل هذا السيناريو استمراراً استراتيجياً للنهج الذي تشكل في عهد علي خامنئي، حيث تبقى العقيدة الثورية للنظام حاضرة بقوة في رسم السياسة الإقليمية، مع دور متزايد للحرس الثوري في إدارة ملفات النفوذ العسكري والأمني في المنطقة.
وترى بعض التحليلات الإسرائيلية أن هذا النموذج قد يؤدي إلى تماهٍ أكبر بين القيادة الدينية والقيادة العسكرية داخل النظام الإيراني، وهو ما قد يمنح طهران درجة أعلى من الانضباط الاستراتيجي في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.
السيناريو الثاني
((مرشد رمزي: صعود دولة الحرس))
السيناريو الثاني الذي يناقش في بعض الدراسات الإسرائيلية يقوم على احتمال اختيار مرشد يمتلك الشرعية الدينية التقليدية لكنه لا يمتلك قاعدة سياسية أو مؤسساتية قوية داخل النظام.
في هذه الحالة قد تنتقل القوة الفعلية تدريجياً إلى مؤسسات الدولة العميقة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي أصبح خلال العقود الماضية لاعباً رئيسياً في الاقتصاد والسياسة والأمن داخل إيران.
وفي هذا السيناريو قد تتحول الجمهورية الإسلامية عملياً إلى نموذج يمكن وصفه في بعض التحليلات الغربية بأنه “دولة الحرس الثوري بغطاء ديني”، حيث يبقى المرشد رمزاً للشرعية العقائدية بينما تتحرك مراكز القرار الحقيقية داخل المؤسسة الأمنية.
السيناريو الثالث
((قيادة مركبة: توازن القوى داخل النظام))
أما السيناريو الثالث فيفترض ظهور صيغة أكثر تعقيداً لإدارة السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، حيث تتوزع مراكز القرار بين عدة مؤسسات داخل النظام.
في هذا النموذج قد يظهر مرشد يمتلك شرعية دينية لكنه يعمل ضمن منظومة أوسع من مراكز القوة التي تضم المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني والمؤسسات السياسية للدولة.
وترى بعض التحليلات المنشورة في مراكز الدراسات الإسرائيلية أن هذا السيناريو قد يقود إلى مرحلة من التوازن الداخلي داخل النظام الإيراني، حيث تتقاسم عدة مؤسسات إدارة القرار الاستراتيجي للدولة دون أن يحتكر أي طرف السلطة بشكل كامل.
وفي ضوء هذه السيناريوهات الثلاثة، يرى بعض المحللين أن صعود شخصية يُنظر إليها بوصفها أقرب إلى المؤسسة الأمنية، مثل مجتبى خامنئي الذي يرتبط اسمه في كثير من التحليلات بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، قد يُفهم في بعض العواصم الإقليمية والدولية بوصفه مؤشراً على احتمال تشدد أكبر في السياسة الإقليمية الإيرانية.
وفي مثل هذه اللحظات الانتقالية لا تتفاعل السياسة وحدها مع هذا النوع من التطورات، بل تتفاعل معها أيضاً الأسواق العالمية. فمجرد الحديث عن صعود قيادة أكثر قرباً من الحرس الثوري قد يدفع بعض المستثمرين إلى توقع مرحلة من التوتر الإقليمي، وهو ما ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وأسعار النفط التي تبقى شديدة الحساسية لأي تغير في ميزان الاستقرار في منطقة الخليج.
ولهذا فإن مسألة اختيار المرشد في إيران لا تبقى في نظر كثير من المراقبين مجرد مسألة داخلية تخص بنية النظام الإيراني، بل تتحول إلى عامل قد يؤثر في توقعات الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي في آن واحد.
4️⃣ أيُّ مرشدٍ تخشاه إسرائيل أكثر؟
في الحسابات الإسرائيلية لا يبدو الخوف مركزاً على اسمٍ بعينه بقدر ما يتركز على نوع القيادة التي قد تخرج من داخل النظام الإيراني بعد علي خامنئي. فتل أبيب لا تنظر إلى الخلافة بوصفها سباقاً دينياً داخل الحوزة فقط، ولا بوصفها إجراءً دستورياً ينجزه مجلس خبراء القيادة، بل بوصفها لحظة قد تعيد توزيع القوة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني وشبكات الدولة العميقة داخل الجمهورية الإسلامية. ولهذا فإن السؤال الأمني في إسرائيل ليس: من سيجلس على كرسي المرشد؟ بل: أي نموذج من المرشدين سيحكم إيران؟
من هذه الزاوية، تخشى إسرائيل قبل كل شيء المرشد الذي يجمع بين الشرعية العقائدية والاتصال العضوي بالمؤسسة الأمنية. فالمرشد الضعيف دينياً قد يفتح باباً لتغوّل الحرس الثوري، لكن المرشد الأقرب إلى الحرس، إذا امتلك غطاءً دينياً كافياً، قد ينتج صيغة أخطر بكثير: قيادة تمنح الشرعية العقائدية الكاملة لدولة أمنية أكثر تماسكا، وأكثر استعداداً لتحويل الصراع مع إسرائيل إلى صراع طويل النفس، منظم، ومتعدد الجبهات. وفي هذا السيناريو لا يعود المرشد مجرد فقيه يجلس فوق هرم النظام، بل يصبح الغطاء الأعلى لمركز قوة عسكري–أمني راكم نفوذه عبر الحرب والاقتصاد والنفوذ الإقليمي.
وهذا بالضبط ما يجعل بعض التحليلات الإسرائيلية ترى أن الخطر الأكبر ليس في تشدد المرشد فقط، بل في قدرته على دمج العقيدة بالقوة الصلبة في بنية واحدة؛ أي تحويل ولاية الفقيه من مرجعية دينية عليا إلى غطاء استراتيجي لدولة أمنية أكثر تماسكاً وانضباطاً.
وفي المقابل، لا يبدو أن إسرائيل تراهن كثيراً على مرشد “إصلاحي” بالمعنى التقليدي، لأن التجربة الإيرانية في نظرها أظهرت أن موقع المرشد نفسه يبقى أعلى من التيارات السياسية اليومية، وأن أي شخصية تصل إلى هذا الموقع ستبقى محكومة بحماية أسس النظام لا بتفكيكها. ولهذا فإن تل أبيب لا تبني استراتيجيتها على وهم ظهور “مرشد صديق”، بل على تقدير أكثر صلابة: حتى المرشد الأكثر براغماتية سيظل يعمل داخل نظام يعتبر إسرائيل خصماً بنيوياً، لكن الفارق سيكون في طريقة إدارة الصراع وحدوده وإيقاعه.
ولهذا يمكن القول إن إسرائيل تخشى أكثر ما تخشاه مرشداً جديداً يخرج من عباءة الحرس الثوري الإيراني دون أن يفقد عباءة الفقه؛ أي شخصية لا تلغي ولاية الفقيه، بل تعيد صهرها داخل نموذج أكثر عسكرية وأقل تردداً. فمثل هذا المرشد لن يهدد إسرائيل فقط بامتلاك أدوات القوة، بل بامتلاك الشرعية العقائدية التي تبرر استخدامها والقدرة المؤسسية التي تجعلها أكثر انضباطاً وأطول أمداً.
ومن هذا المنظور، فإن صعود شخصية مثل مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد يثير في بعض التحليلات الإسرائيلية سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام استمرار للنموذج الذي تشكل في عهد علي خامنئي، أم أمام مرحلة قد يزداد فيها تماهي القيادة الدينية مع المؤسسة الأمنية التي يمثلها الحرس الثوري؟
وفي نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، هذا النوع من القيادة قد يكون أخطر من مرشد ديني تقليدي، وأخطر أيضاً من قيادة جماعية مرتبكة، لأنه يمنح النظام الإيراني ما يحتاجه في لحظة ما بعد القائد: مركز قرار واضح، ومشروعية أيديولوجية، وذراع تنفيذية جاهزة.
5️⃣ مجتبى خامنئي في المنظار الإسرائيلي
في النقاشات الإسرائيلية حول مستقبل القيادة في إيران، يظهر اسم مجتبى خامنئي بوصفه أحد أكثر الأسماء إثارة للاهتمام والقلق في آن واحد. فبالنسبة لكثير من التحليلات الأمنية في تل أبيب، لا يمثل مجتبى مجرد نجل للمرشد السابق علي خامنئي، بل شخصية نشأت داخل الدائرة الأقرب إلى مركز القرار في الجمهورية الإسلامية، واكتسبت مع مرور الوقت شبكة علاقات وثيقة داخل المؤسسات الأمنية، وخاصة الحرس الثوري الإيراني.
وتشير بعض القراءات الغربية والإسرائيلية إلى أن مجتبى خامنئي ارتبط منذ شبابه بالمؤسسة العسكرية للنظام، حيث كان ضمن تشكيلات الحرس الثوري الإيراني في فوج محمد رسول الله، وهو ما عزز صورته داخل بعض الأوساط بوصفه شخصية قريبة من المؤسسة الأمنية التي تشكل العمود الفقري للقوة داخل الدولة الإيرانية.
هذا الموقع غير الرسمي، إضافة إلى علاقاته الواسعة داخل بنية النظام، منح مجتبى – في نظر كثير من المراقبين – قدرة على التأثير داخل مراكز القرار دون أن يشغل لسنوات طويلة موقعاً رسمياً بارزاً في هرم السلطة. ولهذا ينظر بعض المحللين في إسرائيل إلى وصوله إلى موقع المرشد بوصفه سيناريو قد يجمع بين عنصرين يعتبران الأكثر حساسية في الحسابات الأمنية الإسرائيلية: الاستمرارية العقائدية للنظام، والارتباط الوثيق بالمؤسسة الأمنية.
وفي هذا السياق تميل بعض التحليلات في مراكز الدراسات الإسرائيلية إلى وصف مجتبى خامنئي بوصفه شخصية أكثر تشدداً في رؤيتها للصراع الإقليمي، وخاصة في ما يتعلق بدور إيران في الشرق الأوسط وعلاقتها بإسرائيل. ولهذا يرى بعض المراقبين أن صعوده إلى موقع المرشد قد يفسَّر في بعض العواصم الإقليمية والدولية بوصفه مؤشراً على احتمال دخول المنطقة مرحلة أكثر توتراً.
ومن هذا المنظور لا ينحصر النقاش في إسرائيل حول شخصية مجتبى خامنئي بحد ذاته، بل حول الاتجاه الذي قد يمثله داخل النظام الإيراني: هل سيقود مرحلة استمرارية صارمة للعقيدة الثورية التي حكمت إيران منذ عهد الخميني وعلي خامنئي، أم أن صعوده قد يفتح الباب أمام صيغة جديدة يتزايد فيها حضور المؤسسة الأمنية في صناعة القرار الاستراتيجي للدولة؟
وفي كلتا الحالتين، ترى بعض التحليلات الإسرائيلية أن وصول شخصية ترتبط بهذا القدر من القرب بالمؤسسة الأمنية قد يزيد من احتمال مرحلة تصعيد إقليمي، خاصة إذا تزامن ذلك مع تزايد نفوذ الحرس الثوري في بنية السلطة داخل الجمهورية الإسلامية.
6️⃣ هل تراهن إسرائيل على ضعف النظام أم تغييره؟
في النقاشات الاستراتيجية داخل إسرائيل لا يُطرح السؤال حول مستقبل إيران بصيغة بسيطة تقوم على الاختيار بين بقاء النظام أو سقوطه. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك أن الأنظمة الثورية، وخاصة تلك التي تمتلك بنية مؤسساتية معقدة مثل الجمهورية الإسلامية، نادراً ما تسقط دفعة واحدة تحت ضغط خارجي.
ولهذا تميل كثير من التحليلات في مراكز الدراسات الإسرائيلية إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على إضعاف القدرة الاستراتيجية للنظام الإيراني بدلاً من الرهان المباشر على انهياره. فالنظام الذي أسسه روح الله الخميني عام 1979 لم يتشكل حول شخصية واحدة فقط، بل حول شبكة متداخلة من المؤسسات الدينية والأمنية والسياسية التي تمنحه قدرة عالية على التكيف والاستمرار حتى في لحظات الأزمات الكبرى.
ومن هذا المنظور لا ترى إسرائيل أن تغيير القيادة في طهران يعني بالضرورة تغيير طبيعة النظام نفسه. فحتى مع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد، يبقى النظام الإيراني قائماً على توازن معقد بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني ومؤسسات الدولة الأخرى.
ولهذا فإن النقاش داخل إسرائيل لا يدور فقط حول شخصية المرشد الجديد، بل حول البيئة الاستراتيجية التي ستتشكل حوله: موازين القوة داخل النظام، ودور المؤسسة العسكرية، وطبيعة الضغوط الدولية والإقليمية التي قد تواجه القيادة الجديدة في طهران.
وفي هذا السياق يظهر داخل إسرائيل نقاش آخر أكثر تعقيداً: هل من الأفضل لإسرائيل أن تواجه نظاماً إيرانياً قوياً لكنه عقلاني في حساباته الاستراتيجية، أم نظاماً ضعيفاً تتنازعه مراكز قوة متعددة داخل الدولة؟
فبعض التحليلات الإسرائيلية ترى أن النظام الضعيف قد يكون أكثر خطورة، لأنه قد يدفع قادته إلى اتخاذ قرارات تصعيدية غير محسوبة للحفاظ على تماسكهم الداخلي. بينما يرى آخرون أن النظام الأكثر تماسكاً قد يكون في الوقت نفسه أكثر قابلية للدخول في معادلات ردع متبادلة يمكن إدارتها على المدى الطويل.
ولهذا لا تبني إسرائيل استراتيجيتها تجاه إيران على فرضية واحدة، بل على مجموعة سيناريوهات تتراوح بين استمرار النظام مع قيادة جديدة، أو تحوله إلى صيغة أكثر عسكرية، أو دخوله في مرحلة من التوازنات الداخلية المعقدة بين المؤسسة الدينية والحرس الثوري الإيراني.
وفي كل هذه الحالات يبقى السؤال المركزي في تل أبيب واحداً: كيف يمكن احتواء القوة الإيرانية ومنعها من التحول إلى تهديد استراتيجي مباشر لإسرائيل؟
7️⃣ الخاتمة:
“السؤال الذي يشغل إسرائيل اليوم ليس من هو المرشد…؟ بل أي نوع من المرشدين سيقود إيران.؟”
في الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل لا يُنظر إلى مسألة اختيار المرشد الأعلى في إيران بوصفها مجرد انتقال للسلطة داخل نظام سياسي، بل باعتبارها لحظة قد تعيد تعريف طبيعة الصراع في الشرق الأوسط بأكمله. فموقع المرشد في الجمهورية الإسلامية ليس منصباً دينياً تقليدياً، بل هو مركز القرار الذي تتقاطع عنده العقيدة السياسية للنظام مع أدوات القوة العسكرية والأمنية والاقتصادية التي راكمتها إيران خلال أكثر من أربعة عقود.
ولهذا فإن السؤال الذي يشغل المؤسسة الأمنية في تل أبيب لا يقتصر على معرفة من سيخلف علي خامنئي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة فهم الشكل الذي قد تتخذه القيادة الإيرانية في المرحلة القادمة. فهل سيظهر مرشد جديد قادر على إعادة إنتاج التوازنات التي حافظت على تماسك النظام طوال العقود الماضية، أم أن لحظة الخلافة ستفتح الباب أمام تحولات أعمق في بنية السلطة داخل الجمهورية الإسلامية، حيث تتقدم المؤسسة الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، لتلعب دوراً أكثر وضوحاً في صناعة القرار الاستراتيجي للدولة؟
في هذا السياق تدرك إسرائيل أن مستقبل الصراع مع إيران لن يتحدد فقط في الميدان العسكري أو في البرنامج النووي، بل أيضاً في طبيعة القيادة التي ستدير هذا النظام في مرحلة ما بعد خامنئي. فالمرشد الجديد لن يرث فقط موقعاً سياسياً، بل سيرث منظومة كاملة من التوازنات الداخلية والتحالفات الإقليمية والرهانات الاستراتيجية التي تشكلت عبر عقود منذ الثورة التي قادها روح الله الخميني عام 1979.
ولهذا فإن لحظة انتقال القيادة في طهران تبدو في نظر كثير من الاستراتيجيين الإسرائيليين لحظة مفصلية. فقد تنتج قيادة أكثر تشدداً وأقرب إلى المؤسسة العسكرية، وقد تنتج أيضاً صيغة أكثر تعقيداً من التوازن بين مراكز القوة داخل الدولة. وفي كلتا الحالتين تبقى إسرائيل أمام معادلة استراتيجية واحدة: التعامل مع إيران بوصفها قوة إقليمية كبرى تمتلك مشروعاً سياسياً وعقائدياً طويل المدى، لا مجرد خصم عابر في صراع جيوسياسي تقليدي.
ومع صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد، يعود السؤال الذي يشغل كثيراً من دوائر القرار في المنطقة: هل تمثل هذه اللحظة استمراراً للنموذج الذي تشكل في عهد الخميني وعلي خامنئي، أم أنها بداية مرحلة جديدة قد يتزايد فيها حضور المؤسسة الأمنية، وخاصة الحرس الثوري الإيراني، في صياغة الاستراتيجية الإيرانية؟
لكن إسرائيل ليست الطرف الوحيد الذي يراقب هذه اللحظة التاريخية في طهران. فهناك عواصم أخرى في المنطقة تتابع السؤال نفسه من زاوية مختلفة تماماً: كيف سيؤثر المرشد الجديد في توازنات الأمن الإقليمي، وفي مستقبل العلاقة بين إيران وجيرانها العرب في الخليج؟
وهذا ما سنناقشه في المقال القادم من هذه السلسلة:
المرشد… في الحسابات الخليجية.
“السؤال الذي يشغل إسرائيل اليوم ليس من هو المرشد… بل أي نوع من المرشدين سيقود إيران.”
منبر العراق الحر منبر العراق الحر