منبر العراق الحر :ليست الحساسية المفرطة خللًا نفسيًا عابرًا، ولا مجرد رهافة شعور يُساء تقديرها، بل هي بنية إدراكية معقدة، نمط وجود يجعل الإنسان في تماس دائم مع ما هو غير مرئي، وغير مُقال، وغير مُحتمل. إنها ليست زيادة في الإحساس بقدر ما هي انكشاف مفرط على المعنى، كأن الروح قد نُزعت عنها طبقة الحماية، وأُجبرت على مواجهة العالم عارية من التبلد الضروري للحياة.
صاحب الحساسية المفرطة لا يعيش الحدث كما يقع، بل كما يتشظّى داخله.
لا يسمع الكلمات، بل يصطدم بما يتوارى خلفها من نبرة وخلفية وظل.
لا يرى الأفعال، بل يقرأ احتمالاتها، وسياقاتها، وانكساراتها الخفية، حتى يصبح الواقع لديه شبكة من الدلالات لا مجرد وقائع.
وهنا تبدأ المعضلة الوجودية:
أن تمتلك وعيًا يتجاوز ما يحتمله العالم من تعقيد، وأن تُجبر على العيش في واقع يُكافئ البساطة ويعاقب العمق، فيُطلب منك أن ترى أقل، وتشعر أقل، وتفهم أقل… كي تنجو.
الحساسية المفرطة ليست ضعفًا… بل شكل متقدم من الإدراك،
لكنها أيضًا شكل متقدم من المعاناة، لأن من يرى أكثر، يُطالب ضمنيًا بأن يحتمل أكثر.
هي أن تُدرك الخلل في علاقة يراها الجميع متماسكة،
وأن تشعر بالبرود في كلمة تبدو للآخرين عادية،
وأن تلتقط التردد في صمتٍ يمرّ على غيرك دون أثر،
وأن تُثقل بتفاصيل لا يعترف بها أحد، لكنها بالنسبة لك حقائق لا يمكن تجاهلها.
في الحياة اليومية، لا تظهر الحساسية المفرطة في المواقف الكبرى، بل في تلك التفاصيل التي لا تُسجَّل ولا تُناقش:
إنسان يعتذر بإفراط، لا لأنه أخطأ، بل لأنه التقط توترًا خفيًا لم يُعلن.
موظف يعود إلى منزله مثقلًا بجملة عابرة، يقضي ساعات يفككها، لا لشيء إلا لأنه شعر أن وراءها ما لم يُقل.
امرأة تُرهقها محاولات فهم الصمت أكثر مما تُرهقها المواجهة، لأن الصمت بالنسبة لها ليس فراغًا، بل امتلاء مُبهم.
صديق يلتقط تغيرًا طفيفًا في نبرة الصوت، فيبني عليه احتمالات كاملة من القلق لا يراها أحد سواه.
ابنٌ يشعر بثقل مزاج والده من طريقة إغلاق الباب، لا من كلماته، فيعيش يومه على وقع ما لم يُقال.
كاتبة تعجز عن إنهاء نص، لأن جملة واحدة بدت لها غير صادقة، فتدخل في صراع طويل مع ذاتها حول “دقة الشعور” قبل دقة التعبير.
هذه ليست مبالغة…
بل استقبال مفرط للمعنى في عالم شحيح الوضوح.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحساسية ذاتها، بل في غياب الحدود.
حين تتحول النفس إلى مرآة تعكس كل شيء دون تصفية، يصبح الإنسان مستنزفًا، هشًا أمام أدق الاحتكاكات، كمن يعيش بلا جلد نفسي، يتلقى كل شيء وكأنه طعنة صغيرة متكررة.
وهنا، لا يكون النضج في إخماد هذا الإحساس، بل في تنظيمه.
لا في أن نشعر أقل، بل في أن نفهم أكثر.
أن نعيد ترتيب العلاقة بين ما ندركه وما نُصدّقه، بين الحدس والحقيقة، بين الإحساس والتأويل.
أن نتعلم التمييز بين ما هو واقع، وما هو تفسير داخلي.
بين ما قيل فعلًا، وما أضافه وعينا عليه.
بين حدسٍ دقيق… وخوفٍ متنكّر في هيئة بصيرة.
التحول يبدأ من سؤال بسيط، لكنه حاسم ومؤلم:
“هل ما أشعر به حقيقة… أم مجرد احتمال أضفيتُ عليه يقينًا؟”
حينها فقط، تبدأ الحساسية بالتحول من فوضى إلى أداة:
من ألمٍ مع كل نقد، إلى وعي يفرّق بين النقد الحقيقي وإسقاطات الآخرين.
من ذوبان في مشاعر الغير، إلى تعاطفٍ ناضج لا يلغي الذات.
من تحليلٍ لا ينتهي، إلى إدراك يعرف متى يتوقف حفاظًا على سلامه.
من بحث دائم عن المعنى، إلى قبول أن بعض الأشياء بلا معنى واضح… ولا تحتاج تفسيرًا.
لكن، رغم كل هذا، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة:
أن الحساسية المفرطة لا تُتعب صاحبها فقط…
بل تضعه في عزلة صامتة.
لأن من يرى بعمق، غالبًا ما يشعر بوحدة لا تُفسَّر،
ومن يشعر بكثافة، يجد نفسه غريبًا في عالم يكتفي بالحد الأدنى من الشعور.
ليس لأن الآخرين أقل،
بل لأنهم ببساطة… مختلفون في طريقة العيش.
وهنا، يصل الإنسان إلى مفترق فلسفي حاد:
هل يخفف من عمقه ليشبه العالم؟
أم يتمسك به، ويتحمل كلفته الوجودية؟
ربما لا يكون الجواب في هذا أو ذاك،
بل في خلق مساحة ثالثة:
أن نعيش بعمق… لكن بوعي،
أن نشعر بكثافة… لكن بحدود،
أن نفهم كثيرًا… دون أن نحمل كل ما نفهمه.
وربما الحساسية المفرطة ليست مشكلة تحتاج إلى حل،
بل طاقة تحتاج إلى انضباط،
وبصيرة تحتاج إلى تدريب،
وشجاعة تحتاج إلى صبر طويل.
لكن الحقيقة الأكثر إرباكًا تبقى في النهاية:
أن الحساسية المفرطة لا تكشف العالم كما هو فقط…
بل تكشفنا نحن كما نحن، دون أقنعة، دون تخفيف، دون أوهام.
وقد يكون هذا اثقل ما فيها…
وأصدق ما فيها في الوقت ذات
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر