منبر العراق الحر :
في الوقت الذي يطرح فيه الحديث عن تقدم في مسار التوافق الفلسطيني، تبدو الأزمة أبعد من مجرد خلاف على المصطلحات أو الصياغات السياسية. فالنقاش الدائر حول مستقبل قطاع غزة ما زال يدور حول عقدتين مركزيتين هما السلاح والحكم.وبينما ينظر إلى بعض التعديلات المطروحة على أنها محاولة لتقريب وجهات النظر، يرى مراقبون أن جوهر الخلاف لم يحسم بعد، وأن الانتقال من الحديث عن نزع السلاح إلى حصره أو تحييده قد لا يكون سوى مخرج لغوي يسمح باستمرار الحوار دون معالجة القضايا الأساسية التي عطلت المصالحة الفلسطينية على مدار سنوات طويلة.
وفي هذا السياق، قدم الكاتب والباحث السياسي جهاد حرب، والكاتب والباحث السياسي جمال زقوت، خلال حديثهما إلى برنامج “رادار” على “سكاي نيوز عربية”، قراءتين متقاطعتين في جوانب ومختلفتين في جوانب أخرى.
الخلاف على المصطلحات لا يغير جوهر الأزمة
يرى جهاد حرب أن ما يجري تداوله بشأن السلاح لا يتعدى كونه «مخرجاً لغوياً» يعكس استمرار محاولات الالتفاف على جوهر المشكلة.
ويوضح أن النقاش انتقل من مفهوم نزع السلاح بوصفه مسألة سيادية تنهي وجود السلاح خارج إطار السلطة، إلى حصر السلاح بيد جهة محددة، وصولا إلى الحديث عن تحييده.
وبحسب حرب، فإن تحييد السلاح لا يعني تسليمه أو إنهاء وجوده، بل الإبقاء عليه لدى الجهة التي تمتلكه مع الامتناع عن استخدامه في المواجهات العسكرية أو الصراعات الداخلية الفلسطينية.
ويستدل على ذلك بأن حركة حماس، وفق تقديره، لم ترد عسكريا على عمليات الاغتيال والخروقات الإسرائيلية المتكررة خلال الأشهر الماضية، ما يجعل النقاش الحالي أقرب إلى إعادة صياغة المشكلة لا إلى حلها.
ويعتبر أن استمرار هذه الصياغات يهدف إلى إبقاء مسار اللقاءات والحوار قائما دون تحقيق تقدم فعلي يمس مصالح الفلسطينيين في قطاع غزة، مشير إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة الأوضاع الإنسانية والمعيشية المتفاقمة بدلا من الحفاظ على اعتبارات فئوية أو حزبية مرتبطة باستمرار السيطرة على الحكم.
غياب الإرادة السياسية
ويذهب حرب إلى أن الأزمة الفلسطينية لا ترتبط فقط بملف السلاح، بل بغياب الإرادة السياسية اللازمة لإنهاء الانقسام.
وأشار إلى أنه خلال ما يقارب عقدين من الزمن، ومنذ الانقسام الفلسطيني، يرى أن الفصائل المختلفة انشغلت بالبحث عن مخارج لأزماتها الخاصة أكثر من بحثها عن مخرج وطني شامل للشعب الفلسطيني.
ويشير إلى أن اتفاقات المصالحة المتعددة، من القاهرة إلى بكين، تحدثت مراراً عن تشكيل حكومة وفاق وطني، إلا أن غياب النوايا الجدية والإرادة السياسية حال دون ترجمة تلك التفاهمات إلى واقع عملي.
كما يربط حرب تعثر الحوار الراهن بحسابات سياسية داخلية وخارجية، موضحا أن حركة فتح لم تشارك في الحوار الأخير بالقاهرة بسبب مخاوف تتعلق بتداعيات أي شراكة مستقبلية مع حركة حماس وما قد يترتب عليها من مواقف دولية أو مقاطعة محتملة لأي حكومة قادمة.
السلاح بين الرمزية السياسية ومتطلبات الواقع
وفي قراءته لموقف حركة حماس، يرى حرب أن السلاح لم يعد يؤدي وظيفة الردع في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية داخل قطاع غزة دون رد عسكري مؤثر، لكنه ما زال يحتفظ بأهمية رمزية وسياسية بالنسبة للحركة.
ويحدد بعدين رئيسيين لهذه الرمزية؛ الأول يتمثل في عدم الظهور بمظهر المهزوم بعد الحرب، والثاني يتعلق بالحفاظ على القدرة على إدارة الحكم باعتبار الحركة القوة المسلحة الرئيسية في القطاع.
ومن هنا يفسر أيضا مخاوف حركة فتح من وجود أي حكومة تعمل في ظل وجود قوة مسلحة مستقلة قادرة على فرض الوقائع على الأرض، مستحضراً تجربة الأعوام 2006 و2007 وما رافقها من تطورات في قطاع غزة.
وانطلاقا من ذلك، يؤكد حرب أن الحل يكمن في إنهاء ملف السلاح لصالح جهة فلسطينية قادرة على إدارة القطاع وتحظى بقبول الأطراف الفلسطينية، بما يسمح ببدء معالجة تداعيات الحرب والدمار الواسع والأزمات اليومية المرتبطة بالتعليم والصحة والسكن.
غياب الوحدة الفلسطينية
من جانبه، يقترب جمال زقوت من القضية من زاوية أوسع، معتبرا أن جوهر الأزمة يكمن في غياب الوحدة الفلسطينية واستمرار استخدام اللغة السياسية الفضفاضة التي رافقت محطات المصالحة السابقة.
ويشير إلى أن اتفاق بكين بشأن حكومة التوافق الوطني لم يحظ بالتزام حقيقي من الأطراف المختلفة، الأمر الذي أدى إلى التراجع عنه عمليا والانتقال للحديث عن لجنة إدارية ما زالت طبيعة صلاحياتها ومسؤولياتها غير واضحة حتى الآن.
ويؤكد زقوت أن اللغة الغامضة تصبح خطراً حين تغيب موازين القوة القادرة على فرض تفسير وطني موحد لها، لأن الطرف الأقوى سيكون قادراً على توظيف هذا الغموض بما يخدم مصالحه.
مسؤولية فلسطينية موحدة لإدارة القطاع
ويكشف زقوت أن المعلومات المتوافرة لديه تشير إلى أن النقاش لا يدور حول تحييد السلاح بالمعنى المتداول، بل حول وضعه تحت مسؤولية جهة فلسطينية متوافق عليها وطنياً.
ويرى أن المدخل الحقيقي للحل يبدأ من توافق فلسطيني شامل لا يقتصر على الفصائل الموجودة في القاهرة، بل يشمل السلطة الفلسطينية وحركة فتح وبقية القوى الفلسطينية، بما يسمح بصياغة رؤية موحدة لمستقبل قطاع غزة وربط ملف السلاح بمسار سياسي أوسع يقود إلى قيام دولة فلسطينية.
ومن هذا المنطلق، يتساءل زقوت عن الجهة القادرة على قيادة هذا المسار السياسي، معتبرا أن نظاماً سياسياً فلسطينيا موحداً هو الضمانة الأساسية لحماية مشروع الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تستهدف، وفق رؤيته، تكريس الانقسام وحصر القضية الفلسطينية في إطار قطاع غزة.
موقف فلسطيني واضح
وفي تقييمه للمشهد الفلسطيني، ينتقد زقوت غياب ثقافة المراجعة السياسية لدى مختلف القوى الفلسطينية، مؤكدا أن الأزمة لا تتعلق بفشل السلاح وحده، بل بفشل أوسع أصاب مجمل التجربة السياسية الفلسطينية.
كما يقر بأن حركة حماس سعت طوال السنوات الماضية إلى الحفاظ على صيغة حكمها في قطاع غزة، لكنه في الوقت ذاته يرى أن أطرافا فلسطينية أخرى استخدمت بدورها ذرائع مختلفة لتبرير تعطيل الحلول المطروحة.
ويشدد على أن جوهر الخلاف الحالي لم يعد يدور حول المضمون بقدر ما يتعلق بآلية إخراج الحل وتنفيذه، داعياً إلى التوافق على حكومة انتقالية غير فصائلية أو إطار وطني موحد يتولى إدارة المرحلة المقبلة.
سكاي نيوز عربية
منبر العراق الحر منبر العراق الحر