أزمة النظام السياسي وتناقضات المشهد الديمقراطي في العراق..أ. م. د. خلود جبار الشطري

منبر العراق الحر :
بصفتي باحثةً وناقدةً في المجال الاجتماعي،
أنظر إلى الأزمات السياسية بوصفها نتاجًا لبنية مؤسسية واجتماعية، لا مجرد أخطاء أشخاص. لذلك تنطلق هذه القراءة من منظور تحليلي يسعى إلى فهم الظاهرة بعيدًا عن الاتهام أو الانحياز.
بعد أكثر من عقدين من التجربة الديمقراطية،
ما زال العراق يواجه تحديات تتعلق بكفاءة المؤسسات، وسيادة القانون، ومستوى الثقة بين الدولة والمجتمع. فالديمقراطية لا تُقاس بتكرار الانتخابات وحدها، بل بقدرتها على إنتاج إدارة كفوءة، ومؤسسات مستقلة، ومساءلة حقيقية.
ولا يمكن فهم الأزمة السياسية بمعزل عن الثقافة السياسية السائدة. فحين تتقدم الولاءات الفرعية على مفهوم المواطنة، وتتحول المصالح الضيقة إلى معيار لاتخاذ القرار، تتراجع فاعلية المؤسسات مهما بلغت جودة النصوص الدستورية والقانونية. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في القوانين، بل في كيفية تطبيقها، وفي طبيعة السلوك السياسي والإداري الذي يحكم مؤسسات الدولة.
كما أن استمرار الأزمات لا يعود فقط إلى تعثر الحكومات، بل إلى ضعف البناء المؤسسي، وغياب التخطيط الاستراتيجي، وعدم استقرار السياسات العامة. فالدول تُدار بالمؤسسات لا بردود الأفعال، وبالرؤى بعيدة المدى لا بالحلول المؤقتة. وعندما تُصبح إدارة الأزمات بديلاً عن معالجتها، تتحول الأزمة إلى حالة دائمة تستنزف الدولة والمجتمع معًا.
إن أخطر ما تواجهه الدول ليس وقوع الأزمات، بل تحولها إلى واقع مألوف يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، ويضعف شعوره بجدوى المشاركة في الحياة العامة. وعندما تتراجع الثقة، تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن التنمية السياسية لا تقوم على التشريعات وحدها، بل على الثقة المتبادلة، والعدالة، وتكافؤ الفرص.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، وإنما بإعادة بناء ثقافة الدولة على أساس الكفاءة، والمساءلة، والشفافية، واحترام القانون، وترسيخ مبدأ المواطنة بوصفه الإطار الجامع الذي تتساوى في ظله الحقوق والواجبات.
ختاما: إن استقرار الدول لا يتحقق بالشعارات، بل بسيادة القانون، وكفاءة الإدارة، وتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع. فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح المصلحة الوطنية الإطار الجامع لكل قرار، وتكون المؤسسات أقوى من الأفراد، والقانون فوق الجميع. وعندها فقط تتحول الديمقراطية من ممارسة إجرائية إلى مشروع حضاري قادر على بناء دولة مستقرة وعادلة تستجيب لتطلعات مواطنيها.
أ. م. د. خلود جبار الشطري

اترك رد