الإعجاز البياني….هيفاء البريجاوي

منبر العراق الحر :
في امتداد قوله تعالى «فلا أقسم بمواقع النجوم» يتكشّف للقارئ بعدٌ آخر يتصل بالموروث الزمني الذي تحمله الإنسانية في ذاكرتها الجمعية، إذ لم تكن النجوم في وعي الأقدمين مجرد أجرام بعيدة، بل كانت علاماتٍ للاهتداء، ومواقيتَ للزراعة والسفر، ومصادرَ لنسج الحكايات التي تعكس حاجة الإنسان الدائمة إلى ربط حاضره بماضٍ أوسع منه، فالمواقع هنا لا تشير فقط إلى مواضع في السماء، بل إلى مواضع في الوعي الإنساني عبر العصور، حيث تتراكم التجارب وتترسّخ الرموز، ويتحوّل النظر إلى السماء إلى فعل تأمل في الزمن ذاته، ومن هذا المنطلق يغدو النص القرآني جسراً بين الإرث القديم والمعرفة المتجددة، لا ليكرّر المعنى بل ليحرّكه في اتجاه أعمق، يكشف أن ما كان يُرى دليلاً حسياً للهداية يمكن أن يُفهم اليوم بوصفه دلالة على نظام أدقّ وأشمل.
وعندما ننقل هذا المعنى إلى واقعنا المعاصر، حيث تتكاثر المؤثرات وتتشابك مصادر المعرفة، نجد أنفسنا أمام فيضٍ من الأضواء التي تزاحم بصيرتنا أكثر مما تنيرها، فالتقنيات الحديثة ووسائل الاتصال تصنع لنا عالماً سريع التبدل، يقدّم الصور قبل الحقائق، ويغري بالحكم قبل التثبت، فنعيش في فضاء يشبه النظر إلى السماء المليئة بالنجوم دون إدراكٍ لمواقعها الحقيقية، وهنا تتجلّى الحاجة إلى استعادة ذلك الوعي العميق الذي يفرّق بين الضوء العابر والنور الثابت، بين ما يلمع في اللحظة وما يهدي في المسار، فليس كل ما يسطع نوراً، ولا كل ما يُرى دليلاً.
ومن ثمّ يبرز السؤال الجوهري: أين مصدر النور الحقيقي؟ إن التأمل في السياق القرآني يقود إلى أن النور ليس مجرد إشعاعٍ حسّي، بل هو معنى يتصل بالهداية والبصيرة، نورٌ يضيء الداخل قبل الخارج، ويمنح الإنسان قدرةً على التمييز بين الحق والباطل، بين الزائف والأصيل، وهذا النور لا يُستمد من كثرة المؤثرات بل من صفائها، ولا من تعدد الأصوات بل من صدقها، فهو نورٌ يتجلّى في وعيٍ يقظ، وقلبٍ متدبّر، وعقلٍ لا يكتفي بالمظاهر بل ينفذ إلى جوهر الأشياء، وبذلك يصبح الإنسان قادراً على إعادة قراءة الموروث لا بوصفه حكايةً منقضية، بل تجربةً حية تُلهم الحاضر وتوجّه المستقبل.
وهكذا تتكامل الدلالة بين مواقع النجوم في السماء ومواقع المعاني في النفس، فكما أن النجوم لا تُدرك حقيقتها إلا بمعرفة بعدها وزمنها، كذلك لا يُدرك الإنسان ذاته إلا بوعي امتداده الزمني وتفاعله مع ما حوله، فإذا استطاع أن يميّز بين الأضواء التي تشتته والنور الذي يهديه، أدرك أن الهداية ليست في كثرة ما يرى، بل في كيفية ما يفهم، وأن الطريق إلى النور الحقيقي يبدأ من الداخل، حيث تتلاقى فطرة الإنسان مع الحق، في انسجامٍ يجعل من وجوده رحلة بحثٍ مستمرة عن المعنى، لا تنتهي عند حدود الزمن الوقتي بل تتجاوزها إلى عالم أرحب من الإدراك واليقين.
في سماءٍ يسكُنها النظام، لا عبثَ في دورانها ولا ارتباك.
كلُّ نجمٍ في موضعه كأنه كلمةٌ في كتابٍ محفوظ،
والكونُ كله يدور بميزانٍ لا يميل.
شمسٌ تشرق كمعنى اليقين،
تنسج الضوء على حوافّ الوجود، ثم تمضي في سكينةٍ مطمئنة.
وليلٌ إذا أقبل، ظهر فيه الطارق كإشارةٍ خافتة،
توقظ القلب إلى سرّ انتظامٍ أعمق من الإدراك.
ثم يأتي القمر،
يختم مشهد السماء بهدوءٍ أبيض،
كأنه شاهدٌ يروي قصة النور حين يغيب ويعود…
وقصة كونٍ لا يتحرك إلا بحكمة،
برحمة تهب العالمين نور البصيرةأنها الحياة الدنيا ، وما عند الله وبخزائنه الأسمى والأبقى
بجنان خلد المستقر ، وخواتيم الرضى والمغفرة والرحمة
الكاتبة السورية هيفاء البربجاوي

اترك رد