منبر العراق الحر :,,,,قراءة تحليلية في جينيالوجيا الشر وإسقاطاته النفسية والاجتماعية,,,,,,
توطئة منهجية: في أصل التسمية ودلالاتها الوجودية*
في البدء كان المعنى متوارياً خلف الحروف، متقنعاً بوشاح الاشتقاق الذي لا يكاد يُلحظ إلا بعين البصيرة المتأملة. ففي العربية، وهي لغة تحمل في تضاعيف ألفاظها فلسفة كاملة للوجود، يُردّ لفظ “الشيطان” إلى الجذر الثلاثي (ش-ط-ن)، وهو جذر يدور في فلكه الدلالي حول معنى البُعد والمباعدة والمفارقة… ؛ تقول العرب: “شَطَنَ عنه” أي بَعُدَ وغاب وابتعد… ؛ ومن هنا كان “الشيطان” في صميم بنيته اللغوية هو ذلك الكائن الذي بلغ الغاية في البعد عن الحق، عن الأصل، عن الجوهر الإلهي الذي هو مناط الوجود ومركز الدائرة الكونية… ؛ إنه المارق من النور إلى الظل، الخارج من حيز القرب إلى متاهة الشطط والزيغ والضلال .
وهذه الدلالة اللغوية الأصيلة تفتح أمامنا أفقاً تأويلياً واسعاً يتجاوز التصور الميثولوجي الساذج للشيطان بوصفه كائناً أسطورياً له قرون وحوافر وذنب… ؛ إنها تحيلنا، بعيداً عن الترسيمات الشعبية المتوارثة، إلى مفهوم فلسفي وجودي عميق: الشيطان هو كل ما بَعُد عن الله، أي كل ما بَعُد عن الحق والعدل والخير والجمال، كل ما فارق النور الأصلي وسقط في هاوية الظلمة الأخلاقية والروحية… ؛ وبهذا المعنى، يصبح الشيطان ممكناً وجودياً متجذراً في صميم التجربة البشرية، بل يصبح اسماً آخر لشرط إنساني بأكمله: شرط البعد عن الأصل، شرط الاغتراب عن الجوهر، شرط السقوط في العالم السفلي .
*التشظي الأول: التناقض المؤسس في الخطاب الديني والثقافي
لنتأمل معاً هذا التناقض الصارخ الذي يسكن في قلب الوعي الجمعي البشري، تناقضاً يكاد يصل إلى حد الانفصام المعرفي والأخلاقي… ؛ إننا نعيش في عصر تغمرنا فيه سيل من الخطابات والتنظيرات والتحليلات التي تتحدث بإلحاح مريب عن “جماعات شيطانية” و”حركات شيطانية” و”منظمات شيطانية” تقف، بزعم هذه الخطابات، وراء الفساد والشر المستشري في عالمنا المعاصر… ؛ على المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، تتدفق هذه الاتهامات في نهر لا ينضب من التحذيرات والاتهامات والتخويفات … .
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح المنطق السليم: لماذا نرمز للشر المطلق بأنه “شيطان”؟
وما الذي فعله هذا الكيان الذي اصطلحنا على تسميته بالشيطان من أفعال الشر حتى يستحق أن يكون الرمز الأوحد والأعلى لها؟
أليس من الأجدر، بحكم المنطق والتجربة والمعاينة اليومية، أن يُرمز إلى الإنسان نفسه بوصفه عنوان الشر والفساد والقبح والخبث؟
إننا نشاهد في كل لحظة من لحظات حياتنا، وفي كل زاوية من زوايا هذا العالم المتعب، إنساناً يرتكب من أفاعيل الشر والدمار ما يفوق كل ما يمكن أن يتخيله خيالنا عن الشر ذاته… ؛ نشاهده يسفك الدماء ببرودة أعصاب مرعبة، ويدمر البيوت على رؤوس ساكنيها بابتسامة الرضا، ويهجر الشعوب ويشرد الملايين باسم قيم عليا يزعم الدفاع عنها، ويعذب الأجساد في دهاليز السجون والمعتقلات بأساليب لم تخطر على بال شيطان متخيل …!!
ومع ذلك، وفي اللحظة ذاتها، وفي الصفحة عينها، وفي الخطبة نفسها، يُنسب الشر كله إلى ذلك الكائن الغائب الحاضر المسمى “الشيطان”… ؛ أليس في هذا تناقضاً يستدعي التوقف والتأمل؟
حفرية النص: أين هي أفعال الشيطان*
لنقم بهذه التجربة الفكرية الجريئة، ولنفتش في الكتب الدينية والمدونات القديمة والمتون المقدسة، ولنبحث فيها عن فعل شرير واحد، فعل واحد لا غير، قام به الشيطان وأثبتته النصوص .
لن نجد أثراً لدماء سفكها بيديه … ؛لن نعثر على جثة واحدة خلفها وراءه … ؛لن نقرأ عن طفل قتله أو شيخ أرداه أو امرأة أذاها … ؛لن نلمح حرباً أشعلها أو بيوتاً هدمها أو شعوباً شرّدها … .
ومع كل هذا الغياب المطلق لأفعال الشر المتجسدة، يستمر العداء الأسطوري لهذا الكائن، وتتواصل اللعنات المتدفقة بحقه، والاتهامات الدائمة الموجهة إليه… ؛ إننا أمام مفارقة كبرى: كائن يُتهم بكل شرور العالم دون أن تُنسب إليه حادثة شر واحدة موثقة …!!
وفي المقابل، نشاهد بأعيننا ما يملأ الأرض فساداً وخراباً: الإنسان… ؛ نشاهده في حروبه العبثية، وفي أنظمة قمعه الاستبدادية، وفي استغلاله الهمجي للطبيعة، وفي تدميره الممنهج لكل ما هو حي وجميل… ؛ نشاهده وهو يرتكب الموبقات ثم يبتسم ابتسامة الرضا والثقة، بل ويجد لها التبريرات الدينية والأخلاقية والقانونية …!!
ثم، في خطاب واحد لا يشعر فيه بأي تناقض، يقول هذا الإنسان نفسه: “الشيطان أضلني”، “الشيطان وسوس لي”، “الشيطان زين لي سوء عملي”… ؛ وكأن هذه العبارات تمنحه صك غفران مسبقاً، وتعفيه من مواجهة حقيقة مرة: أن الشر يسكنه هو، وأن القرار كان قراره، وأن اليد التي امتدت بالأذى هي يده هو، لا يد كائن آخر من نار أو من نور … .
*سيكولوجيا الإسقاط: صناعة الشيطان كآلية دفاعية جمعية
وهنا ندخل إلى المنطقة الأكثر إيلاماً في هذا التحليل، المنطقة التي يلتقي فيها التحليل النفسي مع الفلسفة الوجودية مع الأنثروبولوجيا الثقافية… ؛ إن ما نقوم به، بوعي أو بغير وعي، هو عملية إسقاط نفسي على نطاق جمعي كبير .
نحن ننزع عن أنفسنا صفات الشر والقبح التي نعجز عن الاعتراف بوجودها فينا، ونلصقها بكائن آخر نصنعه ونشكله ونمنحه اسماً: الشيطان .
إنه قناع نضعه على وجوهنا الحقيقية حين نكره أن نرى أنفسنا على حقيقتها… ؛ إنه الاسم الذي نخترعه لشيطاننا الداخلي الذي يهمس لنا في لحظات الظلام، ذلك الشيطان الذي لا نريد أن نسميه باسمه الحقيقي: “أنا”… ؛ إنه الحل السحري لكل إنسان لا يطيق مواجهة حقيقة نفسه: أن يخلق عدواً خارجياً يحمّله وزر كل ما يرتكبه، ثم يعلن الحرب على هذا العدو الوهمي بدلاً من إعلانها على أهوائه ونزواته .
تأمل معي للحظة هذه اللوحة من الصفات: الغضب الأعمى الذي يفجر العقول والقلوب، الكذب المنظم الذي يتحول إلى مؤسسات وخطابات، الأذى المجاني الذي يُقدّم بلا سبب وبلا ثمن، حب السيطرة والتملك الذي لا يشبع، التلذذ بمعاناة الآخرين وألمهم، إعلان الحروب والتدمير باسم السلام والحرية، قتل الأطفال والأبرياء باسم الله والمقدسات.
هل هذه صفات “إنسان” فقط؟ أم أنها تقرأ في قاموس “الشيطان” حرفياً؟ ربما، في العمق، لم يعد هناك فرق. ربما أن الإنسان، عندما يبلغ درجة معينة من التوغل في الشر، يتحول تحولاً روحانياً جوهرياً، لا جسدياً… ؛ يصبح الشيطان قناعه الحقيقي، وتصبح أفعاله تجسيداً حياً للصفات التي ينسبها لعدوه المتخيل .
ولعل المقولة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب: «شيطان كل إنسان نفسه» تُفهم – إذا أخذناها بهذا المعنى التأويلي – بوصفها إشارة عميقة إلى البعد النفسي والأخلاقي في الإنسان، أو كقراءة باطنية لمفهوم الشيطان ؛ لا بالضرورة نفياً كاملاً لفكرة الشيطان في التصور الديني التقليدي ؛ تؤكد ما اشرنا اليه انفا … ؛ لذا جاء عن احدهم قوله : كان لي شيطان قد هديته …!!
ويمكن شرح مقولة الامام علي , وذلك من خلال تسليط الضوء على الابعاد التالية :
أولاً، في بعدها النفسي
المقولة تُسلّط الضوء على أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس بالضرورة قوة خارجية، بل ميوله الداخلية: الشهوات غير المنضبطة، الغرور، الحسد، والرغبة في التسلط أو الانتقام… الخ ؛ هذه النزعات يمكن أن تدفع الإنسان لارتكاب ما نسميه «نار الموبقات»، أي أفعال تترك أثرًا حارقًا في الضمير … ؛وهذا قريب مما يسميه علم النفس الحديث بالصراع الداخلي بين الدوافع والرقيب الأخلاقي .
ثانياً، في بعدها الأخلاقي
فالمقولة تحمل بني البشر كامل المسؤولية الاخلاقية عن افعالهم وتصرفاتهم ؛ بدلاً من أن يُلقي الإنسان اللوم على «شيطان خارجي»، فهو مدعوّ للنظر إلى نفسه ومحاسبتها… ؛ فالشر هنا ليس مفروضًا عليه، بل ينبع من اختياراته… ؛ وهذه الحقيقة تتماهى مع مفهوم مجاهدة النفس في التراث الإسلامي، حيث تُعتبر النفس – خاصة إذا لم تُهذّب – مصدر الانحراف والشر .
ثالثاً، في بعدها الروحي
الشيطان في هذه القراءة ؛ يصبح رمزا للظلمة الداخلية والغفلة والنفس الامارة بالسوء ؛ والتي تدعو صاحبها للانفصال عن القيم والمعاني السامية والنبيلة والابتعاد عن الحق ؛ وبالتالي، «النار» التي ذكرتها النصوص الدينية ليست مجرد نار حسية، بل يمكن فهمها كنار نفسية: تأنيب الضمير، القلق، الشعور بالذنب، وانهيار السلام الداخلي , عذاب الصراعات الداخلية , وعدم الطمأنينة والسكينة .
نعم قد تتصف بعض الكائنات الاخرى بصفة الشيطنة كبني البشر ؛ الا ان هذه الفرضية وان صحت فهي لا تتعارض مع نقل المعركة الحقيقية بين المخلوق وذاته من الخارج الى الداخل ؛ فحتى لو فرضنا ان هنالك وسواس خارجي، فإن الذي يستجيب له أو يرفضه هو الإنسان نفسه .
والخلاصة : ان الشيطان مشتق من الشطن ويعني البعد عن الحق وعن الله وعن الصراط القويم … ؛ وعليه سيكون الشيطان مجرد مفهوم تنطوي تحته عدة مصاديق خارجية … ؛ نعم قد يكون هنالك شيطان خارجي يدعوك للشر والانحراف والبغي والعدوان ؛ الا أن أخطر شيطان ذلك الذي يقبع داخلك ؛فإذا لم يضبط الإنسان نفسه، صارت هي عدوه الأول؛ وإذا هذّبها، تحولت من مصدر هلاك إلى مصدر نجاة .
*التهجين الميتافيزيقي: هل نحن بيوت للظل
ولكن ثمة احتمالاً آخر، أكثر إزعاجاً وأكثر عمقاً، يطرحه التأمل الفلسفي والديني معاً… ؛ ربما لم يكن الإنسان منذ البداية كاملاً خالصاً… ؛ ربما هناك، في سجل الخليقة القديم، تهجين قديم بين بني آدم وكائنات أخرى لا ترى بالعين المجردة، كائنات تهمس في الظلام، تزين القبيح، تدفع نحو الهاوية، تستوطن الزوايا المعتمة من النفس البشرية… ؛ وكثير من البشر يستجيبون لهذا الهمس دون أن يعرفوا مصدره الحقيقي، ودون أن يدركوا أنهم تحولوا، بمرور الوقت وبتراكم الاستجابات، إلى بيوت لهذه الكائنات، إلى معابد للظل ؛ لذا جاء في الحديث المنسوب للنبي محمد قوله : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم … ؛ وقد يشير هذا الحديث الى كلا الاحتمالين ؛ فلعل المقصود هو الشيطان الخارجي , ولعل المقصود هي النفس البشرية .
وهنا يعود السؤال الفلسفي المركزي بإلحاح أكبر: من هو الشيطان إذن؟
أهو الكائن الخارجي الذي يوسوس من بعيد أم هو الداخل الذي يطيع بسهولة ويسر؟
أهو العدو الذي نلعنه في الصلوات والطقوس أم هو الصديق الحميم الذي ننام معه كل ليلة ونصحو معه كل صباح؟
أهو كيان مستقل بذاته أم هو اسم آخر للطاقة الشريرة الكامنة في أعماق النفس البشرية، تلك الطاقة التي لا تنتظر إلا الفرصة السانحة لتنطلق وتحرق كل شيء؟
ربما تكون الحقيقة أكثر إزعاجاً مما نتوقع: نحن لسنا شياطين كاملة، لكننا نستضيفهم في حنايا أرواحنا، وفي بعض الأحيان، في لحظات الضعف والانهيار الأخلاقي، نرضى أن نكون بيوتهم التي يسكنونها ويديرون منها شؤون العالم .
*لست محامياً للشيطان: حفريات في الوعي المغيب
وقبل أن يُساء فهم هذا التحليل، أود أن أوضح بكل صراحة: لست محامياً للشيطان بالمعنى التقليدي، ولا أدافع عن كيان يُفترض أنه رمز الشر المطلق… ؛ أنا لا أنكر وجوده – بالمطلق – بالمعنى الميتافيزيقي الذي تحدثت عنه النصوص الدينية… ؛ لكني أحاول، بكل تواضع وصدق، أن أفهم الحقيقة، أن أنفذ إلى ما وراء الأقنعة، أن أزيح طبقات الترسيمات الثقافية والاجتماعية والنفسية لأرى ما تخفيه .
إنني أنظر إلى التاريخ الإنساني فلا أجد أثراً لشيطان يقتل إنساناً أو يؤذيه بيديه… ؛ أول من قتل على هذه الأرض كان إنساناً، قتل أخاه الإنسان… ؛ أول من سفك دماً وسلب حقاً وأشعل حرباً كان إنساناً… ؛ كل ذلك كان لأجل غرائزه وأهوائه ومطامعه… ؛ نعم، إنسان. ليس شيطاناً بقرون وحوافر كما هي صورته في المخيال البشري … ؛ و ليس عفريتاً من نار ودخان… ؛ بل جارك الذي تسلم عليه كل صباح… ؛ قريبك الذي تشاركه الطعام… ؛ زعيمك الذي تمنحه ثقتك وصوتك أحياناً، في لحظات الصدق المريرة، أنت …!!
لذلك، قبل أن ترفع يدك باللعنات نحو سماء متخيلة يسكنها إبليس ، انظر إلى يديك أولاً… ؛ هل هما نظيفتان حقاً؟
ألا تزالان تقطران دماً حقيقياً أو مجازياً؟
ألا تزال آثار الجراح التي سببتها للآخرين بادية عليهما؟
*العار الأكبر: إسقاط الشر على المقدس
الإنسان ليس بريئاً… ؛ هذا نعرفه جميعاً، وهذا ما تثبته صحائف التاريخ المكتوبة بالدم والدموع… ؛ لكن العار الحقيقي، العار الأكبر، ليس في ارتكاب الشر ذاته، فالشر جزء من المأساة الإنسانية المستمرة … ؛ العار الأكبر هو محاولة إيجاد مخرج، باب خلفي للهروب من مواجهة الذات، تلفيق تهمة، اختلاق عدو، إلقاء بالذنوب والآثام على خلق آخر قد يكون، في حقيقة الأمر، أكثر براءة منا، وأفضل، وأنقى … ؛ لذا نسب الى أحمد الغزالي وبعض الصوفية مقولة : (( ابليس سيد الموحدين )) اذ يُنسب هذا القول في السياق الصوفي إلى أحمد الغزالي، حيث قال: من لم يتعلم التوحيد من إبليس فهو زنديق، أُمِر أن يسجد لغير الله فأبى ، وذلك ضمن فلسفة ترى أن رفضه السجود لآدم كان “عشقاً” وتعظيماً لله …!!
وقد قال بعض ارباب السير والسلوك : نحن من شوهنا سمعة هذا الكائن ، لوثنا صورته، جعلناه وحشاً أسطورياً كي نخرج نحن بأنفسنا من دائرة الإجرام، كي نحسّن قبحنا على حساب خلق آخر، كما يفعل بعض الناس حين يسقطون أفعالهم وشرورهم على الله نفسه احيانا … ؛ نعم، على الكائن الأقدس والأطهر والأبرأ ؛ بنظر بعض الصوفية .
نرتكب الفظائع التي تقشعر لها الأبدان، ثم نقول بكل ثقة واطمئنان: “الله أراد ذلك”، “هذه مشيئة الله”… ؛ نقتل الأبرياء ونذبح الاطفال ونغتصب النساء ونحرق المدن وندمر الحضارات، ثم نقول: “جهاد في سبيل الله”… ؛ نظلم ونطغى ونستبد، ثم نبرر قائلين: “هذه حكمة إلهية لا نفهمها”. ما أسهل الهروب من الذات حين نخلق شيطاناً نحمله أوزارنا، أو حين نُلبس الله قناع القسوة والتجبر فنختبئ وراء مشيئته المفترضة …!!
لكن الحقيقة، حقيقة ما نحن فيه، تبقى هناك… ؛ تنتظر… ؛ لا تغفو ولا تنام… ؛ تنتظر لحظة الاعتراف… ؛ الحقيقة أن الشر ليس في الشيطان، ليس في الله، ليس في أي كيان خارجي نختلقه… ؛ الشر فينا نحن… ؛ في أيدينا التي توقع العقود الظالمة وتشد على الزناد… ؛ في أفواهنا التي تلفق الأكاذيب وتنطق بالشعارات الخداعة… ؛ في قلوبنا التي ترتاح وتسعد عندما ترى غيرنا يعاني ويتألم … .
الخاتمة: نحو أخلاقيات الاعتراف*
لن نتحرر من هذا الشر المستطير إلا حين نعترف… ؛ لن نتطهر من أدران التاريخ والدماء إلا حين نقولها بكل وضوح وشجاعة:أنا، أنا المسؤول… ؛ ليس الشيطان… ؛ ليس الله… ؛ ليس التاريخ… ؛ ليس الظروف… ؛ أنا… ؛ أنا وحدي… ؛ أتحمل كامل المسؤولية عن أفعالي وخياراتي وتصرفاتي واعتقاداتي .
لكن الاعتراف، الاعتراف الحقيقي العميق، أصعب من الجحيم ذاته… ؛ إنه يتطلب شجاعة تفوق شجاعة المحاربين في ساحات القتال… ؛ إنه يتطلب مواجهة الذات عارية دون أقنعة ودون حجج ودون تبريرات… ؛ إنه يتطلب لحظة صدق مريرة نرى فيها أنفسنا كما نحن، لا كما نريد أن نكون .
لذلك، حين تبحث عن الشر في هذا العالم المنهك، لا تنظر إلى أعماق الجحيم المتخيلة، ولا تفتش في سماء الأساطير عن شياطين ومردة… ؛ بل انظر في المرآة… ؛ تأمل تلك الصورة التي تعكسها… ؛ هناك، في حدقة عينيك، يكمن الشيطان الحقيقي… ؛ هناك، في أعماق روحك، تدور المعركة الأزلية بين النور والظل… ؛ هناك، في خياراتك اليومية الصغيرة والكبيرة، يتجسد معنى أن تكون بعيداً عن الحق، أو قريباً منه … .
وما هذه الكلمات إلا محاولة متواضعة لإزاحة الستار قليلاً، لرفع القناع برفق، لطرح السؤال الذي لا يريد أحد أن يطرحه: هل نحن، حقاً، من كنا نبحث عنه طوال هذا الزمان؟!
هذا المقال ليس نهاية المطاف، بل بداية لسلسلة من التأملات التي سنعود فيها إلى هذا السؤال المركزي مرة بعد مرة… ؛ لن نتركه يموت في زحام الأسئلة اليومية السطحية، لأنه السؤال الذي إن أجبنا عليه بصدق، تغير كل شيء في نظرتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا .

منبر العراق الحر منبر العراق الحر