منبر العراق الحر :لا يمكن قراءة الصراع السني-السني المعاصر بوصفه مجرد خلافات فقهية أو كلامية داخلية، لأن صورته الحالية أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يتمحور اليوم حول من يملك حق تعريف السنة، ومن يحتكر التمثيل الديني، ومن يضبط المجال العام باسم الشرع، في سياق صار فيه المجال السني ساحة تنافس بين الدولة، والمؤسسات الدينية، والحركات الإسلامية، والاتجاهات السلفية، والشبكات الإعلامية الرقمية؛ وتزداد أهمية هذا الموضوع لأن المجال السني لم يعد محكوما بسلطة علمية واحدة، بل خضع لتحولات عميقة جعلت الشرعية نفسها موضوعا للصراع لا مجرد خلفية له.
تقوم هذه الدراسة على سؤال مركزي بسيط في صياغته، عميق في دلالته: كيف تحول الخلاف السني من اختلاف في الفقه والعقيدة إلى صراع على الشرعية الدينية والسياسية؟ والجواب المختصر هو أن المجال السني الحديث مر بتحولات كبرى، أبرزها صعود الدولة القومية، وتأميم المجال الديني، وضعف المرجعية التقليدية الجامعة، ثم اتساع الإعلام الرقمي الذي فكك احتكار العلماء والمؤسسات القديمة للخطاب؛ وبذلك لم يعد الخلاف يدور فقط حول صحة الرأي أو بطلانه، بل حول من يملك حق الكلام باسم الجماعة، ومن يحدد ما يعد سنة وما يعد خروجا عنها.
ومن المهم، منذ البداية، التنبيه إلى أن “أهل السنة والجماعة” لم يكونوا تاريخيا كيانا أحاديا مغلقا، بل تشكلوا عبر مدارس متعددة في الفقه والكلام، أهمها الحنبلية والأشعرية والماتريدية، مع فروق معتبرة في التأويل وحدود العقل ومكانة النص؛ وقد ارتبط هذا التعدد في مراحل تاريخية مختلفة بصراع على النفوذ العلمي والسياسي، بحيث لم يكن الخلاف مجرد “اختلاف علمي مشروع” بالمعنى المدرسي البسيط، بل أحيانا تنازعا على من يملك تعريف الجماعة والبدعة والحق؛ ولهذا، فإن فكرة الوحدة السنية المطلقة تبدو أقرب إلى بناء معياري متأخر منها إلى وصف دقيق لتاريخ السنة بوصفه تاريخا حيا للتنوع والتنافس في آن واحد.
أبرز ما يميز الحاضر هو تدخل الدولة في المجال الديني بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فالدولة العربية الحديثة مثلا سعت، بدرجات متفاوتة، إلى ضبط التعليم الديني والفتوى والوقف والمنابر، حتى يصبح الدين مجالا منظما يخدم الاستقرار السياسي ويحد من إمكانات المعارضة؛ وفي المقابل، ظهرت حركات دينية تسعى إلى استعادة الدين من الدولة، لكنها كثيرا ما نقلت الصراع من مستوى الفقه إلى مستوى الهيمنة، إذ أصبحت هي الأخرى تطمح إلى السيطرة على المجال العام باسم الشمولية الإسلامية، وهنا يبرز بعد إقليمي عابر للحدود، حيث لم يعد الصراع محليا بحتا، بل صار انعكاسا لتنافس مراكز دينية إقليمية كبرى تسعى كل منها لتصدير نموذجها الخاص عن “السنة ” ورعاية شبكات من الفاعلين المحليين لتعزيز نفوذها الجيوسياسي تحت غطاء مذهبي.
وفي هذا السياق يمكن تحديد أهم معالم الصراع السني-السني اليوم في عدد من الظواهر المتداخلة؛ أولها تعدد المرجعيات، إذ لا توجد اليوم سلطة سنية جامعة واحدة، بل مؤسسات رسمية ومرجعيات دعوية وفاعلون إعلاميون وحركات سياسية، وكلها تتنازع حق التمثيل؛ وثانيها صراع التأويل، حيث يستمر الخلاف بين الاتجاهات التي تميل إلى الحرفية النصية وتلك التي تفتح مجالا أوسع للتأويل، سواء في العقيدة أو الفقه أو السياسة؛ وثالثها صراع المنبر والفتوى، إذ لم يعد العالم التقليدي وحده من يحدد ما هو صحيح، لأن المنصات الرقمية والإعلام الجديد صارت تنتج سلطة بديلة أو موازية، ويرتبط هذا الصراع ارتباطا وثيقا بـ “أزمة التمويل” والمال السياسي الديني؛ فحيثما وجد التمويل وجدت المنصة، مما جعل القدرة على حشد الموارد المادية عاملا حاسما في ترجيح كفة خطاب ديني على آخر، وتحويل الولاءات العلمية إلى ولائات نفعية أحيانا، ورابعها صراع الهوية السنية ذاتها، إذ تحتكر بعض الخطابات معنى “السنة الصحيحة”، وتقصي المخالف داخل المجال السني نفسه؛ وخامسها صراع التمثيل السياسي، الذي يظهر بوضوح في بعض البيئات، ولا سيما في دول كالعراق، حيث تحول التنافس السني إلى صراع على كتلة برلمانية موحدة أو قيادة سياسية جامعة.
وتكشف الحالة العراقية هذا التحول بصورة واضحة، لأن الخلاف السني هناك لا يظهر فقط بوصفه نقاشا عقديا أو فقهيا، بل بوصفه تنافسا مباشرا على التمثيل والموارد والزعامة والعلاقة مع الدولة؛ فالأخبار الحديثة تتحدث عن تشكيل ائتلاف سني جديد يهدف إلى توحيد التمثيل البرلماني السني بعد الانقسامات المتكررة، وهو ما يدل على أن الصراع لم يعد محصورا في المجال الرمزي، بل دخل في قلب الحسابات السياسية، كما أن الساسة الذين يتصدرون مشهد التمثيل السني باتوا يمثلون “نخبة لادينية” تعيد تأثيث وجودها من خلال تغذية النزعات الصدامية مع الخصوم، واحتكار الحقد السياسي كأداة وحيدة لتعريف هويتها في مواجهة المنافسين، وأمام هذا الصراع النخبوي، يقف “الجمهور السني البسيط” في حالة من الحيرة أو الاغتراب؛ فالتنازع المستمر بين المرجعيات قد يؤدي برجل الشارع إما إلى التدين الفردي المنعزل، أو في حالات أخطر، إلى نوع من “العلمانية النفسية” نتيجة فقدان الثقة في المؤسسة الدينية والسياسية المتصارعة.
ومن أبرز التحولات الحاسمة في الحاضر أن الشرعية لم تعد تمنح فقط عبر الإجازة العلمية أو المنصب الديني، بل عبر الانتشار الرقمي، والقدرة على صناعة الجمهور، واحتلال المجال الإعلامي، وقد جعل هذا التحول بعض الأصوات الأكثر إثارة أو حدة أكثر حضورا من العلماء المؤسسين، وخلق نوعا من المنافسة بين العالم التقليدي والداعية المؤثر، ومن منظور سوسيولوجي يمكن القول إن الصراع السني-السني المعاصر انتقل من اختلاف المدارس إلى تنازع البنى؛ فالخلاف القديم كان في الغالب حول مسائل العقيدة أو الاستنباط، أما الحاضر فصار يدور حول من يملك المؤسسة، ومن يملك التمويل، ومن يملك المنصة، ومن يملك الشرعية أمام الدولة والجمهور.
وبغض النظر عن هذا التحليل، يبقى من الضروري استشراف الاتجاهات المقبلة؛ فالمرجح أن الصراع سيتجه إما إلى استمرار تفتت المرجعيات، أو تعاظم دور الشبكات الرقمية، أو إعادة تمركز القوى حول الدولة؛ وفي كل هذه المسارات سيبقى السؤال الحاسم هو: هل يتجه المجال السني إلى مزيد من الانقسام، أم إلى إعادة بناء مرجعية مرنة قادرة على استيعاب التعدد دون أن تتحول إلى صراع إقصائي؟.
الصراع السني-السني اليوم هو صراع على تعريف السنة، وتمثيلها، وإدارتها داخل الدولة والمجتمع والإعلام؛ وهو مؤشر على الكيفية التي تعاد بها صياغة المرجعيات الدينية في زمن تتغير فيه أدوات التأثير أسرع من تغير المؤسسات نفسها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر