شركات احتكارية ستحكم العراق قريباّ! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
فشلت أحزاب السلطة في العراق في أن تتحول إلى قوى حاكمة فاعلة اجتماعيًا وسياسيًا، لكنها خلال عقدين من الزمن نجحت في التحول إلى مؤسسات ريعية تحصد الأموال وتكنزها عبر لجانها الاقتصادية، التي تجبي نسبًا من العقود وإيرادات الوزارات والدوائر التابعة لها وفق منهج المحاصصة، وهذه القاعدة تنطبق على جميع الأحزاب التي نالت حصتها من تقاسم إيرادات الدولة ضمن نظام اقتصادي ريعي.
بعد عشرين عامًا من الحكم، أصبحت هذه الأحزاب أشبه بمجموعة شركات قابضة، حيث بات كل شيء فيها مرهونًا بالأرقام ومنطق التجارة، كم الربح؟ وقد امتد هذا المنطق من شراء أصوات الناخبين إلى تأجير الوزارات أو الهيئات لمستثمرين وتجار ومتعهدين، في حال تعذر على شركاتها الاستثمار المباشر في هذا القطاع! وهكذا تحولت الوزارات إلى ملكيات شبه خاصة للأحزاب، بمواردها ودرجاتها الوظيفية ومفاصلها التي تحقق الربح.
هذه الوقائع، بما تحمله من غرابة، كشفت عن ظاهرة تزايد أعداد الأحزاب المتنافسة، إذ تجاوز عددها الأربعمئة حزب. وانعكس ذلك على تضخم أحزاب المكونات أيضًا، فقبل عشرين عامًا لم تكن الأحزاب الشيعية تتجاوز أربعة أو خمسة، بينما نجد اليوم ضمن الإطار التنسيقي وحده اثني عشر حزبًا، وكذلك الحال بالنسبة للأحزاب السنية، التي كانت لا تتعدى حزبين، وأصبحت اليوم خمسة أو ستة، وينطبق الأمر نفسه على الأحزاب الكردية، التي انتقلت من حزبين رئيسيين (الديمقراطي والاتحاد) إلى نحو خمسة أحزاب لها حضور ومقاعد برلمانية، ناهيك عن الأحزاب في المحافظات والتي تمارس ذات المنهجية.
لقد تحولت الأحزاب العراقية المتصدرة للسلطة إلى إمبراطوريات مالية، وأصبح تفكيرها منصبًا على معدلات الربح والفائدة، كأي شركة تجارية، ومن هنا تعطّل لديها التفكير السياسي، وأصيبت بما يمكن تسميته بـ”البلادة الواقعية”، إذ لم تعد ترى سوى مصالحها، وتسعى لاستغلال أي مجال متاح، سواء في بناء مول أو جامعة أو مستشفى أو بنوك أو مجمعات سكنية وغيرها، ويقابل ذلك عجز واضح عن إيجاد حلول حتى لقضايا الحكم نفسها، مما أدى إلى توقف العملية السياسية عن التقدم، وتعقّد الأزمات إلى حد الانسداد، ليس سياسيًا فقط، بل في مختلف المجالات، ما يجعل تسمية النظام ب نظام”الأوليغارشية ” الحاكمة ،أي حكم الأقلية لرجال المال والسلطة، أقرب من صفة الديمقراطية!
وقد أدى هذا الواقع إلى طرح فكرة إسناد تشكيل الحكومة إلى شخصية من خارج الوسط السياسي المترهل، فجاء تكليف رجل أعمال ومصرفي السيد علي الزيدي ، رجل لا يُعرف له تاريخ سياسي يُذكر، لكنه حظي بمباركة داخلية وخارجية، بما في ذلك دعم الولايات المتحدة الأمريكية، ويُعد هذا مؤشرًا واضحًا على فشل الأحزاب في أداء دورها السياسي وتحولها إلى كيانات ربحية تستنزف المال العام.
إن نجاح تجربة “الزيدي ” في تشكيل حكومة أكثر كفاءة — أو أقل فشلًا من سابقاتها — قد يفتح المجال أمام منطق رأس المال ليتقدم على العمل السياسي، مما يتيح للشركات الاحتكارية التنافس على حكم العراق وفق قواعد السوق، وعندها قد تصبح الأحزاب الحاكمة قيد للإزاحة، حين يدرك المجتمع زيف تمثيل “المكون”، وأن وجوده استُخدم بوصفه مجرد أرقام لتحقيق أرباح سياسية ومالية.

اترك رد