قصة بعنوان “نداء الموج”…. إخلاص فرنسيس

منبر العراق الحر :
نادتني موجةٌ، التفتّ فرأيتها تلوّح لي مبتسمة، فركتُ عينيّ، علّني أحلم، لأصحو من هذه التهيّؤات، لكن كنت هناك على الشاطئ بكامل وعيي، لم أكن كما في عادتي وفي أسفاري، البحر هو صديقي الصدوق، أزوره كلما سنحت لي الفرصة، بل أخترع الفرص، لأنفرد به.
هذا المساء الخريفيّ كانت الشمس تتأهّب للنوم خلف الجبل المحاذي للشاطئ، تبدو أقلّ حدّة، وكأنّ الصيف قد أرهقها، وقد أرادت أن تأخذ قيلولة بعيدًا عن صخب الناس وصراخ النورس وانعكاسها على صفحات الموج. على البحر هناك من يغوص في الماء الملح محاولًا أن يقتنص آخر خيوط دفء قبل أن يطرق الخريف، والشتاء الطويل على الأبواب، وهناك من يستلقي على الرمل مسافرًا بين الواقع والخيال.
مضيت في طريقي أتأمّل الطير والبشر، كم تكون السماء قريبة على شاطئ البحر، وكم نكون أقرب إلى السراب قرب البحر، وكم نكون دون رتوش ودون ألوان أمام البحر، البحر بما يحمل من حكايات الغيب وقصص البحارة هو الذي أشعر بنفسي أمامه بأنّي أحلم، ربما أحلم وأنا أقف هناك، لكنّي أراه لسان كلّ البعيدين والقريبين.
انتظرت كي أعرف ماذا تريد الموجة منّي. كانت تسير عتية إلى أن صفعها الشاطئ برمله القاسي محدثًا ضجيجًا وصخبًا مؤلمًا.
انتفضت وأنا أرى موجتي تنحسر إلى الخلف مبعثرة رذاذًا يملأ المكان في وجع وألم وحيرة، لكنّها كانت أعند من الرمل والشاطئ، أعادت الكرة، لكن هذه المرة كانت أكثر حنكة وحكمة، همست لي، وابتسمت من بعيد، وراحت تتدحرج برقّة نحو الشاطئ، وخيوط الشمس الخريفية، وأشعّتها الذهبية تمتطي ظهرها في خجل، والموجة تتدحرج في حنوّ ورقّة.
لم تصرخ، ولم ترفع يدها، بل كانت في سكينة تمتدّ في أشكال دائريّة نحوي.
لم أبتعد، ولم أتحرّك، بل كنت مشدودة لهذا السحر، والسرّ الغريب. سمعتها تقول: هل تفكّرين بغيري؟
لا..
لا، ولماذا الحزن في عينيك؟
حوّلت وجهي نحو الطرف الآخر
إذن أنا محقّ
قال الصوت الآتي من الموج:
ماذا أجبت؟
لا شيء، صورتي كانت وحدها تجعلك تبتسمين
أنا أبتسم، وابتسمت ابتسامة صفراوية
أردت أن أظهر بمظهر الشّجاعة لا الضحيّة.
عاد الصوت مرة أخرى، هذا الدمع لن يجفّ، غابت الشمس، والصقيع بدا، وأنا أعرفك شامخة مثل ثروة، ومثل شجرة الأرز.
لكنك تفكّرين ليس بي
بل كلّ تفكيري أنت، أنت تجلب الفرح لقلبي وروحي، والدمع إلى مقلتي
اليوم لا وجود لي في حياتك.
التفتّ حولي لأرى مصدر الصوت، لعلّه هنا، وأنا لا أدري.
لم أرَ سوى طيور النورس تتحرّش بباقي أكياس الطعام الذي خلّفه المصطافون على الشاطئ.
عاد الموج يتسلّل إلى أن لامس قدميّ، وتسلّل بين الأصابع في عناق هادئ، فسرتْ رعشة في جسدي، أيقظتني من كبوتي، وهناك أمامي يقف في بدلته العسكرية، نقش اسمي على صدره. مدّ يده نحوي، ابتسمت، ونهضت من مقعدي، وأعطيته يدي، وسرت معه.
لم يتكلّم، ولم أتكلّم، لم أساله: لماذا اختفى طيلة هذه السنين؟
أعطيته الدفتر والقلم.
كنتُ أريد أن أكتب قصّتي، لكنّها انتهت قبل أن تبدأ.

اترك رد