منبر العراق الحر :
يختلف الناس في الأديان والانتماءات السياسية والأفكار والمصالح، لكنهم يتفقون على الشاعر الرمز الذي يحلّق بأحلام الحرية، ويخفق كمشعل للثورة المختبئة تحت العواطف وهواجس العدالة المفقودة، تلك هي القامات التي ترشحت عن تاريخ الشعوب وحقائقها وتقديسها لرموزها القومية؛ فهذا “ناظم حكمت ” رمز تركيا، وذاك ” ألكسندر بوشكين” نشيد الحرية في روسيا القلقة بتاريخها الحديث، ومحمود درويش الذي وضع الكرة الأرضية تحت جزمة الفدائي الفلسطيني، فيما يتناوب “لويس اراغون ” و ” بول إيلوار ” على قيادة مراكب الحب والحرية في فرنسا.
كان مظفر النواب واحداً من هؤلاء العمالقة الذين حملوا بقطارات روحه العميقة أحزان العراق وأحلامه، تلك التي تركها شعبه خائفاً عند محطات الانتظار.
أمضى النواب رحلته مغترباً، رغم التصاقه بأدق تفاصيل الحياة العراقية ومناخاتها، والاغتراب هنا يعني أن تكون منفصلاً، في لحظة تمرد على ما هو سائد، لحظة ثورة داخلية تكتب تاريخك الشخصي.
نعم، بعض خصائص الشعراء أنهم لا يركنون إلى الألفة!
كانت محطات السجن تؤصل لديه فقه الحرية، كان ينشد داخل السجن لأنه يمتلك حريته، وخارج السجن كان ثائراً متمرساً في السير وسط أدغال الاحتجاج والثورة، يتخطى حقول ألغامها دون خوف من لحظة الانفجار، بل كان شديد الترحيب بها:
«مرحباً أيها العاصفة
أحرقوا طغم القمع من خلفكم
فالأساطيل والقمع شيء يكمل شيئاً
كما يتنامى الكساد على عملةٍ تالفة».
كانت تلك دعوة للجماهير العربية لمقاتلة الأساطيل الأجنبية والاستبداد معاً.
عام 1963 وقع الانقلاب الدموي ضد حكومة عبد الكريم قاسم، وكان ما يسمى بـ«الحرس القومي» ــ ميليشيا حزب البعث ــ يمارس أبشع أنواع التعذيب والقتل ضد الوطنيين والشيوعيين بهدف انتزاع الاعترافات منهم. فجاءت قصيدة “براءة” الشعبية للنواب سداً أوقف سيل الاعترافات والبراءات، وتلك واحدة من أدق وحدات القياس لدور الشاعر حين يتحول إلى قائد يتحكم بأحاسيس الآخرين وأرواحهم.
يكتنز شعره طاقة إيحائية ورمزيات تتوافق مع «الحسجة» العراقية؛ فهو حين يكتب للحبيب تنهض دلالات مخبوءة، باحثة عن وجوه تأويلية للحبيب:
«شلون أوصفك.. وإنت دفتر.. وآني كلمة»
و “وصفولي عنك
شال منك غيض بستان الورد
والنرجس الرايج ذبل»
و ” مطر كلش مطر
والشارع مغوش حچي”.
قصائد تفيض بخليط جمالي من الوجد والفكر، ومن تداخل الهذيان بالوعي، وما هو ذاتي بموضوعه المركزي، قضية الحرية والنضال ضد الفاشية.
امتد شعر مظفر لستين عاماً، وانتشر كظاهرة شعرية احتجاجية صاخبة في الوطن العربي، بندية توازي حجم الجريمة، خصوصاً في قضية فلسطين الجريحة، بل كان متطوعاً ومنخرطاً بالقصيدة والروح في جميع الثورات، من عهد أبو ذر الغفاري حتى مشارف القدس، وحكايات جبال ظفار، وشهيدها المتألق أبداً سعيد محاد.
قصائد كُتبت لعصر من الحزن والثورة، كما يقول النواب، خسرت الثورة، وخسرت الثورات، وتراكمت الأحزان مع الزمن، وصارت القصائد تعطي عصاراتها بفيض من نرجسية العاشق الخاسر ولوعاته:
«وما زلت كما بالأمس ألوّح بالقلب لهم
ثم وداع يبقى
ثم رحيل يترك في الروح محطة
كانت أيام طفولتنا تغمض أعينها كذباً
وتراقبنا
إن نحن كبرنا
سوف تعاقبنا كل مساء».
اغتراب، وسجون، ومقارعة لأنظمة أطاحت بأحلام هذا العاشق الكبير وجسده، وهو الذي حمل العراق مثل قلب ثانٍ يغذي قلبه الأول. مات مظفر النواب بعيداً عن ثرى العراق، في زمن العولمة ونهايات الشعر والعقلنة، وما كان يضج به مع ملايين الجمهور العربي غدا صمتاً وخرساً.
انطفأ كل شيء يا أبا عادل. الشعب لم يعد يريد الثورة ولا الأشعار، بل يبحث عن رغيف الخبز وسط ركام الذل والفساد.
انتهى زمن النواب، والثورة، والشعر، والقدس، والأخلاق:
«أنبيك عليّا
ما زلنا نتوضأ بالذل
ونمسح بالخرقة حدَّ السيف».
انطفأ الجسد، وعادوا به إلى بغداد، ثم إلى مقبرة النجف قرب الإمام علي بن أبي طالب الذي عشقته، وحذرته من العودة إلى العراق!
الآن يا مظفر، يا ابن عبد المجيد، وأنت تحتمي بالنسيان للتخلص من عار النهايات، يبدو كل شيء متوقفاً، بانتظار من يعيد الحكاية!

منبر العراق الحر منبر العراق الحر