منبر العراق الحر :
خرج قبل الفجر، وكانت الشوارع شبه فارغة، إلا من أرتال
الشاحنات والسيطرات المنتشرة على الطرق المؤدية إلى مطار بغداد الدولي.
كان سائق التاكسي يبدل مساراته بين حين وآخرعلى وفق
تعليمات “ويز”، ثم يطلق شتيمة مكتومة كلما أجبرتهم تحويلة جديدة على
الدوران لمسافات أطول
قال وهو يضغط على المقود بعصبية
ـ الطرق صارت أطول من أعمار الناس… كل يوم يغلقون
شارعاً ويفتحون خوفاً
ظل صامتاً، يراقب الأضواء الباهتة وهي تنساب على زجاج
السيارة، فيما بدت بغداد في تلك الساعة مدينة متعبة، تستيقظ بحذر، كأنها تخشى
نهارها القادم
عند بوابة المطار، ترجل سريعاً، ثم التفت حوله بغريزة
مرتبكة.
حتى بعد أن اجتاز نقاط التفتيش، بقي القلق عالقاً في
وجهه، كأن الخوف لم يعد شعوراً عابراً، بل جزءاً ثابتاً من ملامحه.
جلس في الطائرة التابعة للخطوط الجوية التركية أخيراً،
تلفت حوله ثم تمتم لنفسه بمرارة خافتة: حتى سماء بلادنا… لانصلها بطائراتنا.
وأخذ يطرق بأصابعه على مقبض المقعد من دون وعي.
ـ اشوكت نطير… خلي نخلص.
سمعته المضيفة، ويبدو أنها تفهم العربية، فاقتربت منه
مبتسمة:
ـ يبدو أنك متوتر جداً.
رفع رأسه إليها وقال بصوت خفيض:
ـ أخشى أن يُقصف المطار قبل الإقلاع.
ابتسمت محاولة طمأنته:
ـ لكن بلدكم ليس في حرب.
أدار عينيه نحو النافذة وقال:
ـ الحروب لا تبدأ دائماً بقرار… أحياناً يشعلها جاهل.
ساد بينهما صمت قصير، قبل أن تسأله:
ـ سفرة عمل؟
ـ لا.
ـ سياحة إذاً؟
هز رأسه نافياً.
ـ أبحث عن نفسي في مكان آخر.
ابتسمت بخفة:
ـ دراسة؟
تنهد طويلاً، ثم قال:
ـ شهادتي معي… وأفكاري أيضاً.
لكن هناك، تموت الأفكار قبل أصحابها أحياناً.
بدت مرتبكة أمام إجابته، فقالت بعد تردد:
ـ وتترك أهلك ووطنك؟
أسند رأسه إلى المقعد، وحدّق في سقف الطائرة قليلاً، ثم
قال:
ـ سيذكرونني حين أموت.
سيقيمون لي جنازة كبيرة… ثم يمنحونني قبراً بالمقاس
الرسمي: شبر وأربع أصابع.
في الخارج، بدأت الطائرة تتحرك ببطء فوق المدرج.
وحين ارتفعت أخيراً، أغمض عينيه للمرة الأولى منذ خروجه
من البيت.
كأن الخوف… بقي على الأرض.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر