منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…
التقرير الاستراتيجي رقم 20: “خرائط التوجس”
التاريخ: 27 حزيران/يونيو 2026
لا تُمثل «معادلة لوسيرن» المبرمة في يونيو 2026 مجرد اتفاق تكتيكي عابر بين واشنطن وطهران، بل هي مخطط زلزالي يعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. ورغم أن ظاهر التفاهمات يحمل عنوان “اقتصاد مقابل أمن” لتأمين الممرات المائية وفصل نزاع جنوب لبنان ، إلا أن انعكاساتها فجّرت تبايناً عميقاً في الرؤى بين العواصم العربية والخليجية. فما تراه دولة ما شبكة أمان، تراه أخرى تفويضاً أمريكياً مبطناً لتوسيع نفوذ طهران.
إليك التفكيك المعمق والمفصل للمواقف والمقاربات العربية والخليجية تجاه هذه المعادلة:
التوازن الحذر والمنافسة الصامتة
(السعودية والإمارات)
تقف الرياض وأبوظبي في منطقة “التحوط البراغماتي”، حيث تلتقي مصالحهما في التهدئة وتفترق في حسابات النفوذ المستقبلي:
الموقف السعودي
(الاستقرار المشروط وبناء المظلة الذاتية):
ترحب الرياض بأي اتفاق يحمي منشآتها النفطية ويؤمن حركة الملاحة العالمية، تماشياً مع رؤية 2030 التي تتطلب تصفير الأزمات الإقليمية. ومع ذلك، تنظر السعودية إلى مهلة الـ 60 يوماً بتوجس شديد. تخشى الرياض أن تستغل إيران الـ 25 مليار دولار المفرج عنها والإعفاءات النفطية لتخفيف خنقها المالي وإعادة بناء ترسانة الفصائل التابعة لها (خاصة الحوثيين في اليمن)، بدلاً من الالتزام بالسلام الدائم. لذلك، تضغط الرياض خلف الكواليس لضمان ألا تتحول التهدئة الأمريكية إلى “شيك على بياض” لطهران، مستغلة في ذلك علاقاتها القوية مع صقور الإدارة الأمريكية مثل ماركو روبيو.
الموقف الإماراتي
(أولوية الاقتصاد والممرات المفتوحة):
بالنسبة لأبوظبي، فإن أمن الممرات المائية (مضيق هرمز وخليج عمان) هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه، ولذا تدعم بقوة خط جي دي فانس البراغماتي لتأمين الملاحة. لكن الإمارات، التي تنتهج سياسة “الصفر مشاكل” والاعتماد على التجارة والاستثمار، تخشى من أن يؤدي تفرد قطر وباكستان بالوساطة في بورغنشتوك إلى تعزيز مكانة الدوحة كقناة وحيدة وموثوقة لدى واشنطن، مما يفرض على أبوظبي إدارة توازن دقيق بين الاستفادة من الهدنة النفطية والحذر من صعود أدوار المنافسين الإقليميين.
خط المواجهة النفطية والتحالف الصلب (السعودية، البحرين، والكويت)
يمثل هذا المحور الكتلة الأكثر حساسية واستشعاراً للتهديدات الأمنية المباشرة في الخليج العربي:
البحرين
(عين على الأمن الداخلي والشركاء):
تُعد المنامة الطرف الأكثر هواجس في هذا المثلث؛ فنظراً لاستضافتها مقر الأسطول الخامس الأمريكي، تجد البحرين نفسها في قلب أي احتكاك عسكري بين واشنطن والحرس الثوري. تتماشى الرؤية البحرينية بالكامل مع الموقف الإسرائيلي ومع صقور واشنطن (روبيو)؛ حيث ترى أن الاتفاق لم يعالج الملف الجوهري وهو التدخلات الإيرانية عبر الخلايا والفصائل. تخشى المنامة من أن الارتياح المالي الإيراني المؤقت قد يترجم على شكل زيادة في تمويل الأنشطة المزعزعة للاستقرار الداخلي.
الكويت
(الدبلوماسية الهادئة وهواجس الجوار):
تتبنى الكويت موقفاً متزناً يميل إلى دعم الوساطة لكونها دولة تقع في زاوية جغرافية حرجة بين ثلاث قوى كبرى (السعودية، العراق، وإيران). ترحب الكويت بتأمين هرمز لحماية صادراتها النفطية الحيوية، لكنها تشارك الرياض مخاوفها من غياب سقف زمني استراتيجي؛ فمهلة الـ 60 يوماً تبدو للكويت نافذة قصيرة قد تعقبها عاصفة عسكرية شاملة إذا تم تفعيل “آلية الزناد” (Snapback)، وهو سيناريو تخشى الكويت أن تدفع ثمنه أمنياً وبيئياً كدولة جوار مباشر.
مهندسو القنوات والضامنون الإقليميون (قطر وعُمان)
يمثل هذا المعسكر “العقل المدبر” و”الرئة الدبلوماسية” لمعادلة لوسيرن:
قطر
(العرّاب التنفيذي والحاضن المالي):
تعتبر الدوحة الطرف العربي الرابح الأكبر والمهندس الفعلي للتفاهمات إلى جانب باكستان. لا تقتصر الرؤية القطرية على الوساطة السياسية، بل تتحمل الدوحة دور “الضامن القانوني والمالي” عبر استضافة الحسابات المصرفية الوسيطة التي ستمر من خلالها الـ 25 مليار دولار. نجاح معادلة لوسيرن يرسخ مكانة قطر كشريك استراتيجي لا غنى عنه لإدارة ترامب وجناح فانس البراغماتي، وهو ما يمنح الدوحة نفوذاً سياسياً هائلاً يحميها من التقلبات الإقليمية ويجعلها مركز الثقل الدبلوماسي في المنطقة.
سلطنة عُمان
(الحفاظ على الإرث والتحوط الذكي):
تتعامل مسقط مع المعادلة ببراغماتية هادئة وثقة عالية؛ فـ «قنوات عُمان» التاريخية هي التي أسست في البداية للمفاوضات التمهيدية بين ويتكوف والجانب الإيراني في فبراير 2026 قبل انتقال الملف إلى سويسرا . ترى عُمان في نقل المسار إلى لوسيرن تخفيفاً للحرج السياسي عنها وتوزيعاً للمسؤولية الدولية مع سويسرا وقطر، لكنها تظل ممسكة بالخيوط الخلفية، معتبرة أن أي نجاح لمعادلة لوسيرن هو تثبيت لعقيدتها الدبلوماسية القائمة على “الحياد الإيجابي وسيطاً دائماً للسلام”.
مجلس التعاون الخليجي
ورغم تباين أولويات العواصم الخليجية، فإنها تتقاطع جميعاً عند هدفين ثابتين: حماية أمن الممرات البحرية، ومنع تحول الخليج العربي إلى ساحة مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران. ومن هنا تبدو «معادلة لوسيرن» بالنسبة لدول المجلس فرصة لاحتواء التصعيد، لا بديلاً عن بناء منظومة ردع وأمن إقليمي أكثر استدامة.
العراق.. ساحة التوازن الحرج وفوهة البركان
يقع العراق في عين العاصفة؛ فهو يمثل الرابط الجغرافي والسياسي المباشر بين إيران ومحورها الإقليمي:
رئة مالية وسياسية: يرى رئيس الوزراء العراقي في معادلة لوسيرن “طوق نجاة” داخلي؛ فالتهدئة تمنع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة تصفية حسابات بالصواريخ بين أمريكا وإيران.
معضلة الفصائل: التهدئة تمنح بغداد فرصة لكبح جماح الفصائل المسلحة مؤقتاً تحت شعار “عدم إفساد الهدنة الإيرانية-الأمريكية”، لكن القلق العراقي يكمن في انهيار الاتفاق؛ فإذا فَعّل الكونغرس أو ترامب “آلية الزناد”، سيكون العراق أول ساحة تشتعل عبر عودة استهداف القواعد الأمريكية وتجدد الضغط على النظام المصرفي العراقي المعتمد على الدولار .
جبهة الطوق وفصل المسارات
(الأردن، مصر، وسوريا)
تتأثر هذه الدول مباشرة بانعكاسات المعادلة على ملف جنوب لبنان والاستقرار الإقليمي:
الأردن
(المخاوف الأمنية وضبط الحدود):
ينظر الأردن إلى معادلة لوسيرن من زاوية “أمن الحدود ومكافحة التهريب”؛ فالتهدئة في جنوب لبنان تعني تراجع حدة الاستنفار العسكري على حدوده الشمالية. ومع ذلك، يخشى الأردن من أن يؤدي الغموض الأمريكي وغياب إسرائيل عن الاتفاق إلى دفع تل أبيب لتنفيذ عمليات عسكرية أحادية ومفاجئة لتفجير الهدنة، مما قد يتسبب في تداعيات أمنية وموجات نزوح تضغط على الدولة الأردنية المنهكة اقتصادياً.
مصر
(أمن الملاحة في السويس واستقرار لبنان):
المصلحة المصرية العليا تتقاطع مع أمن البحر الأحمر وقناة السويس؛ فأي تهدئة تشمل اليمن ومضيق هرمز تنعكس إيجاباً على عودة حركة السفن إلى القناة التي تضررت عوائدها بسبب التصعيد. كما تدعم القاهرة بقوة “فصل المسارات” الذي تسعى إليه واشنطن لترتيب الملف الرئاسي في لبنان وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة اللبنانية بعيداً عن الهيمنة المطلقة للسلاح.
سوريا
(مساحة التقاط الأنفاس والترقب):
تعتبر دمشق التهدئة فرصة لالتقاط الأنفاس وتقليل وتيرة الضربات الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت خطوط الإمداد. لكن سوريا تظل في حالة ترقب حذر؛ لأن غياب التزام إسرائيلي مكتوب في لوسيرن يعني أن الأراضي السورية ستبقى الساحة المفضلة لتل أبيب لتوجيه “رسائل الدم” إلى طهران، مستغلة أي ثغرة أو تراخٍ في التفتيش النووي لإبقاء الضغط العسكري قائماً.
حادثة السفينة السنغافورية…
أول اختبار عملي لـ«معادلة لوسيرن»
يمثل استهداف السفينة التي ترفع علم سنغافورة داخل المنطقة الأمنية التي أعلنها الحرس الثوري في مضيق هرمز أول اختبار ميداني حقيقي لـ«معادلة لوسيرن». فقد كشفت الحادثة أن السيطرة على وتيرة التصعيد لم تعد مرتبطة فقط بالتفاهمات السياسية، بل أيضاً بقدرة الأطراف على ضبط السلوك العملياتي في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ولم يمض وقت طويل حتى ردت الولايات المتحدة بضربات عسكرية محدودة استهدفت مواقع للحرس الثوري في منطقة سيريك جنوب إيران، مؤكدة أن العملية جاءت رداً مباشراً على استهداف السفينة، وليست استئنافاً للعمليات القتالية أو إعلاناً لانهيار التفاهمات. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري عزمه الرد، بما يعكس استمرار سياسة الردع المتبادل ضمن سقف محسوب، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وتشير القراءة الاستراتيجية إلى أن الحرس الثوري ربما سعى من خلال هذا الاحتكاك المحدود إلى اختبار نيات إدارة ترامب وحدود صرامتها في تطبيق «معادلة لوسيرن»، واستكشاف ما إذا كانت واشنطن ستتمسك بمسار التهدئة، أم ستعود سريعاً إلى منطق التصعيد العسكري. وفي المقابل، حمل الرد الأمريكي رسالة واضحة مفادها أن حماية حرية الملاحة ستظل خطاً أحمر، وأن الالتزام بالتهدئة لا يعني التخلي عن استخدام القوة عند تجاوز قواعد الاشتباك.
وبذلك أثبتت حادثة السفينة السنغافورية أن الاختبار الحقيقي لـ«معادلة لوسيرن» لن يكون على طاولة المفاوضات، بل في الميدان؛ حيث ستقاس قدرتها على احتواء الضربات المتبادلة وإدارتها، لا بمنع وقوعها بالكامل.
التقييم الإجمالي للمنظور العربي
تُجمع العواصم العربية على أن «معادلة لوسيرن» تمثل “أفضل الخيارات المتاحة تكتيكياً” لكونها تسهم في حماية أمن الطاقة وتخفض احتمالات اندلاع حرب إقليمية شاملة. غير أن هذا الإجماع يتوقف عند حدود التهدئة التكتيكية؛ إذ تختلف العواصم العربية في تقييم مآلاتها الاستراتيجية. فبينما يرى محور قطر وسلطنة عُمان فيها فرصة لترسيخ دبلوماسية الوساطة والصفقات، تنظر إليها السعودية والإمارات والبحرين بوصفها هدنة ينبغي اختبارها عملياً قبل منحها شرعية سياسية كاملة، خشية أن تتحول إلى متنفس يعيد لإيران بناء قدراتها الإقليمية.
وقد جاء استهداف السفينة التجارية في مضيق هرمز، وما أعقبه من رد أمريكي محدود على مواقع للحرس الثوري، ليمنح هذه المخاوف بعداً عملياً؛ إذ أثبت أن «معادلة لوسيرن» لم تُلغِ احتمالات الاحتكاك العسكري، وإنما نقلتها إلى مستوى جديد يقوم على إدارة التصعيد بدلاً من منعه بالكامل.
ومن هذا المنظور، لا يقاس نجاح «معادلة لوسيرن» بعدد الضربات التي تمنعها، بل بقدرتها على احتواء الأزمات ومنع تحول الاحتكاكات المحدودة إلى حرب إقليمية واسعة.
“في المنظور العربي، لا تُقاس معادلة لوسيرن بقدرتها على منع الضربات، بل بقدرتها على منع تحولها إلى حرب.”

منبر العراق الحر منبر العراق الحر