الحوكمة التكيفية: ما يحتاجه المستقبل للحفاظ على إرث الماضي؟ مهند محمود شوقي

منبر العراق الحر :

ليست كل تجربة ناجحة بحاجة إلى أن تبقى كما بدأت، كما أن كل تغيير لا يعني أن ما سبقه كان خاطئاً. المجتمعات والمؤسسات التي راكمت تجربة ناجحة تواجه في مرحلة معينة سؤالاً أكثر صعوبة من سؤال التأسيس: كيف تحافظ على ما تحقق من دون أن تتحول النجاحات السابقة إلى قيود على المستقبل؟
هذا السؤال لا يتعلق بالسياسة وحدها. فهو حاضر في حياة الدول والمؤسسات والمجتمعات وحتى الأفراد. ما نجح في مرحلة معينة قد يفقد بعض قدرته عندما تتغير الظروف، وما كان ضرورياً في زمن ما قد يحتاج إلى إعادة صياغة في زمن آخر. لذلك فإن احترام الماضي لا يعني تكراره، بل فهمه.
قيمة التاريخ لا تكمن فقط في تذكر ما حدث، وإنما في معرفة لماذا نجح قرار في وقت معين، ولماذا أخفق قرار آخر، وما الذي يمكن نقله من تجربة إلى أخرى. التجربة التي لا تتعلم من أخطائها قد تعيد إنتاجها، أما التجربة التي تراجع نفسها فتتحول مع الوقت إلى معرفة. في علم السياسة والمؤسسات يظهر مفهوم Path Dependence، أو اعتماد المسار، للدلالة على استمرار تأثير قرارات الماضي في الخيارات اللاحقة. لكن معرفة المسار لا تعني البقاء أسرى له. فالماضي يساعد على تفسير الحاضر، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده شكل المستقبل.
العالم الذي نعيش فيه اليوم مختلف عن العالم الذي أنتج كثيراً من النماذج السياسية والإدارية السابقة. التكنولوجيا غيرت سرعة القرار، والاقتصاد جعل الدول والمجتمعات أكثر ترابطاً، والمعلومات أصبحت قادرة على صناعة التأثير في لحظات، فيما أصبحت الثقة والاستقرار ووضوح القواعد عوامل أساسية في بناء المؤسسات واستمرارها. لهذا يصبح الفرق مهماً بين الأصل والوسيلة. الأصل هو القيم والمبادئ والهدف الذي قامت عليه التجربة، أما الوسائل فهي قابلة للتطوير كلما تغيرت الظروف.
وقد عشت شيئاً من هذا المعنى خلال مشاركتي في دورة للابتكار والتكنولوجيا في مدينة شنغهاي الصينية. ما بقي في ذاكرتي من تلك التجربة لم يكن التكنولوجيا وحدها، وإنما الطريقة التي كان ينظر بها إلى المستقبل من دون التعامل مع الماضي باعتباره عبئاً. كان التاريخ حاضراً، لكن بوصفه أساساً يمكن البناء عليه، لا جداراً يمنع الحركة. خرجت من تلك التجربة بفكرة بسيطة: الشعوب التي تعرف قيمة تاريخها لا تحتاج إلى أن تتوقف عنده. تستطيع أن تحمله معها وهي تتقدم.
والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات. المؤسسة القوية ليست التي لا تخطئ، وإنما التي تستطيع اكتشاف الخطأ وتصحيحه قبل أن يتحول إلى قاعدة. كما أن الخبرة لا ينبغي أن تبقى في ذاكرة الأشخاص فقط، بل يجب أن تتحول إلى إجراءات وقواعد وثقافة عمل تستطيع الأجيال التالية الاستفادة منها.
ومن هنا تصبح المراجعة جزءاً من حماية النجاح، لا تهديداً له. فالاعتراف بمكامن الخلل لا يعني إنكار ما تحقق، كما أن طرح الأسئلة الصعبة لا يعني بالضرورة الوقوف ضد التجربة. أحياناً يكون النقد المبكر أكثر أشكال الحماية مسؤولية.
وتظهر هذه المسألة أيضاً في العلاقة بين المؤسسات والعمل الحكومي والحزبي. لكل مجال وظيفته ومساحته، وقد تتقاطع الأدوار في خدمة المجتمع، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الحدود غير واضحة، أو عندما يتحول الانتماء إلى معيار للحصول على الفرص بدلاً من الكفاءة.
الحزب نفسه يحتاج إلى مراجعة دائمة. فالحزب الذي يقوم على فكرة وبرنامج وقناعة يمكن أن يتغير عندما يصبح القرب من السلطة أو الحصول على موقع أو منفعة سبباً رئيسياً للانتماء. عندها يتراجع إنتاج الأفكار والكوادر لمصلحة شبكة من المصالح، ويصبح التنظيم أقل قدرة على التجدد.
وهنا لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي. فقد يبدأ الاختلاف فكرة، ثم يتحول إلى اصطفاف، ثم إلى هوية، وفي بعض الحالات إلى قطيعة. وإذا فقد المجتمع قدرته على إدارة اختلافاته، تصبح الشروخ الداخلية فرصة لقوى أخرى تستفيد منها سياسياً أو إعلامياً أو خارجياً.
التاريخ يقدم لنا في المقابل دروساً من شعوب واجهت ظروفاً أصعب بكثير من إمكاناتها المادية. الهند والجزائر وفيتنام، رغم اختلاف سياقاتها، أظهرت أن قوة الشعوب لا تقاس دائماً بحجم السلاح أو الموارد. الهوية، وتماسك المجتمع، والإرادة السياسية، والقدرة على الحفاظ على الحاضنة الشعبية، يمكن أن تغير موازين تبدو في البداية غير متكافئة.
لكن الدرس الأهم ليس في الصراع نفسه، وإنما في قدرة المجتمع على حماية مساحته المشتركة. عندما تتوحد القضايا الأساسية، يمكن أن يبقى الاختلاف في التفاصيل والوسائل. أما عندما يصبح كل اختلاف سبباً للقطيعة، فإن المجتمع يبدأ باستهلاك قوته في داخله.
لهذا فإن وحدة الصف لا تعني إلغاء التنوع، كما أن التعدد لا يعني تفكيك المساحة المشتركة. المطلوب هو القدرة على إدارة الاختلاف، وحماية المصالح الأساسية، وإبقاء المؤسسات أوسع من المنافسة السياسية.
وهنا تظهر أهمية Institutional Autonomy، أو استقلالية المؤسسة، أي أن تعمل المؤسسة وفق قواعد واضحة، وأن تستطيع أداء وظيفتها بعيداً عن التحولات السياسية اليومية. فالاستقرار الحقيقي لا يصنعه الأشخاص وحدهم، وإنما المؤسسات التي تستطيع الاستمرار عندما يتغير الأشخاص.
وهذا يقود إلى مفهوم Adaptive Governance، أو الحوكمة التكيفية: قدرة المؤسسات على قراءة المتغيرات وتطوير أدواتها من دون التخلي عن اتجاهها الأساسي.
التكيف لا يعني التخلي عن المبادئ، كما أن الإصلاح لا يعني هدم ما سبق. أحياناً يكون الإصلاح هو الطريقة الأكثر جدية لحماية الإرث.
فكل تجربة ناضجة تحتاج إلى أن تسأل نفسها من وقت إلى آخر: ماذا فعلنا جيداً؟ أين أخطأنا؟ وما الذي تغير حولنا؟ وهل ما كان مناسباً بالأمس ما زال مناسباً للغد؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست إنكاراً للماضي، بل احترام له. فالإرث الحقيقي ليس ما نحتفظ به كما وجدناه، وإنما ما نستطيع أن نمنحه حياة جديدة.
ربما تكون هذه هي القاعدة الأهم في بناء المستقبل: أن نحافظ على الجوهر، ونراجع الوسائل، ونتعلم من الأخطاء، ونترك للأجيال المقبلة تجربة أكثر نضجاً مما تسلمناها.

اترك رد