منبر العراق الحر :
ليست كل الكتب تُقرأ في العمر نفسه.
بعضها يحتاج إلى سنواتٍ طويلة حتى ينضج القارئ، لا الكاتب.
كان عمري خمسة عشر عامًا حين وضعت أمي بين يدي كتاب «مجددون ومجترون» لمارون عبود. لم تشرح لي لماذا أحبته، ولم تقل إنه من أهم كتب النقد العربي، ولم تطلب مني أن أقرأه بعينيها. اكتفت بأن تناوله إليّ، ثم تركت للزمن أن يفعل ما لا تفعله الشروح.
يومها قرأت الكتاب، لكنني لم أقرأ ما فيه.
كنت أقرأ الكلمات، بينما كانت الحياة، في مكان آخر، تكتب القراءة التي سأفهمها بعد سنوات.
مرّت الأعوام.
وقبل عام ونصف، رحلت أمي.
ومنذ رحيلها، صرت أكتشف أن الغياب لا يسلبنا الأشخاص وحدهم، بل يعيد ترتيب علاقتنا بكل ما تركوه وراءهم. فجأة، تصبح الأشياء العادية مشبعة بحضورهم؛ كتاب أحبوه، أو جملة كانوا يرددونها، أو صمتٌ لم نفهم معناه إلا بعدما صار جزءًا من ذاكرتنا.
لهذا، حين عدت إلى «مجددون ومجترون»، لم أشعر أنني أفتح كتابًا أغلقته منذ سنوات.
شعرت أنني أفتح بابًا ظل مواربًا في داخلي.
في الخامسة عشرة، ظننت أن مارون عبود يكتب عن الأدب.
أما اليوم، فأراه يكتب عن الحرية.
كان يتحدث عن الشعر، لكنه كان يدافع عن استقلال العقل.
ويتحدث عن البلاغة، لكنه كان يسأل سؤالًا أشد عمقًا: كيف يفقد الإنسان صوته، وهو يظن أنه يتكلم؟
هنا فقط فهمت أن عنوان «مجددون ومجترون» لا يخص الأدباء وحدهم.
إنه يخصنا جميعًا.
فالاجترار، كما قرأته هذه المرة، ليس إعادة الكلمات، بل إعادة الحياة نفسها. أن نعيش بأفكار ورثناها دون أن نمتحنها، وأن نردد أحكامًا لم نولدها، وأن نستعير يقين الآخرين حتى ننسى شكل أسئلتنا الأولى.
كان عبود يرى أن اللغة لا تشيخ، وإنما تشيخ العقول التي تكف عن طرح الأسئلة. وأن التراث لا يتحول إلى عبء لأنه قديم، بل لأنه يُعامل بوصفه نهاية التفكير، لا بدايته. ولذلك لم تكن معركته مع الماضي، بل مع تحويل الماضي إلى سلطة تمنع الحاضر من أن يضيف شيئًا إلى نفسه.
وأنا أقرأه، شعرت كم يبدو هذا الكلام معاصرًا.
ربما تغيرت أدوات الاجترار، لكن الاجترار نفسه بقي كما هو.
في زمن مارون عبود كان الكاتب يستعير صور القدماء وتعابيرهم.
أما اليوم، فنحن نستعير المواقف، والانفعالات، وحتى طريقة الغضب. تكفي دقائق قليلة حتى يتحول رأي واحد إلى آلاف النسخ، ويغدو الاختلاف شبهة، لا فضيلة.
لهذا بدا لي الكتاب، وهو الصادر عام 1948، أكثر شبابًا من كثير مما نقرأه اليوم.
فالكتب لا يحدد عمرها تاريخ نشرها.
بل قدرتها على أن تجعل قارئًا بعد سبعين عامًا يشعر أنها كُتبت من أجله.
في أثناء القراءة، كانت أمي تحضر في ذهني بهدوء لا يجرحه الحنين.
لم أفكر فيها بوصفها غائبة، بل بوصفها جزءًا من الطريقة التي أقرأ بها.
وأدركت، متأخرة، أن محبتها لمارون عبود لم تكن إعجابًا بكاتب فحسب، بل انحيازًا لفكرة.
كانت تؤمن أن الإنسان لا يفقد حريته حين يُمنع من الكلام فقط، بل حين يتوقف عن التفكير بصوته.
لم تقل لي ذلك يومًا.
لكنها قالت ما هو أهم.
وضعت الكتاب في يدي.
واليوم أفهم أن الأمهات لا يورثن أبناءهن الكتب.
إنهن يورثنهم طريقة النظر إلى العالم.
وأن أعظم الهدايا ليست تلك التي تمنحنا أجوبة جاهزة، بل تلك التي تترك في داخلنا سؤالًا يكبر معنا كلما كبرنا.
حين أغلقت الصفحة الأخيرة، لم أشعر أنني أنهيت قراءة كتاب.
شعرت أنني أكملت حديثًا بدأ قبل سنوات، ولم أكن مستعدة له آنذاك.
وفهمت أخيرًا أن أمي لم تكن تريدني أن أقرأ مارون عبود.
كانت تريدني أن أتعلم ألا أعيش بعقلٍ مستعار.
وربما لهذا السبب بقي هذا الكتاب ينتظرني كل هذه السنوات.
فالكتب الحقيقية لا تستعجل قراءها.
تعرف أن لكل إنسان موعده الخاص مع الفهم.
أما الذين نحبهم، فإنهم لا يغيبون تمامًا.
يبقون في الكتب التي دلّونا عليها، وفي الأسئلة التي تركوها لنا، وفي اللحظة التي نكتشف فيها، بعد زمن طويل، أن ما حسبناه كتابًا كان، في الحقيقة، رسالة محبة مؤجلة.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر