حكومة “الإطار التنسيقي” بين مأزق واشنطن ومأزق طهران … سمير عادل

منبر العراق الحر :

إن تصريح عضو الكونغرس الأمريكي تيم بورشيت: «لقد اضعت وقتي في الاستماع إلى حديث رئيس وزراء العراق ومن معه»، وإعلان الميليشيات الموالية لإيران في العراق رصد مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يقتل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتعليق علي اكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، على زيارة الزيدي إلى البيت الأبيض، واصفًا إياها بأنها «مصدر عار عميق»، كلها تميط اللثام، من دون عناء، عن عمق المأزق السياسي الذي يعيشه العراق.

أو بعبارة أخرى، بعيدًا عن الدعاية الضخمة، سلبًا أو إيجابًا، التي رافقت زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتوقيع مذكرات تفاهم في المجال الاقتصادي، فإن العاصفة السياسية التي تضرب العراق والمنطقة تتصاعد بوتيرة متسارعة، فيما تظل حالة عدم اليقين وانعدام الاستقرار السياسي والأمني هي السمة الغالبة على المشهد بأكمله.

وفي خضم هذا المشهد، يجري الترويج لجملة من الأوهام السياسية التي لا تستند إلى الوقائع بقدر ما تستند إلى الرغبات والدعاية الإعلامية.

أول هذه الأوهام هو الاعتقاد بأن حكومة الزيدي قادرة على حسم ملف الحشد الشعبي أو كبح نفوذ الميليشيات المرتبطة عضويًا وسياسيًا بالنظام القومي الإسلامي الحاكم في إيران، وأن نجاحها في ذلك يمهد الطريق أمام تدفق الاستثمارات الأمريكية وتحويل العراق إلى بيئة آمنة لرأس المال الأجنبي. غير أن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أن هذه القوى ليست تشكيلات عسكرية معزولة يمكن تفكيكها بقرار حكومي، بل تمثل أحد أهم أعمدة التوازن السياسي الذي قام عليه نظام ما بعد عام 2003، كما أنها تشكل إحدى أدوات النفوذ الإيراني الأساسية داخل العراق. ولذلك فإن أي محاولة لإضعافها لا تمثل مجرد إجراء أمني، بل تمس طبيعة النظام السياسي نفسه، وهو ما يجعل قدرة حكومة خرجت من رحم “الإطار التنسيقي” على تنفيذ مثل هذا المشروع موضع شك كبير.

ولا يقل وهمًا عن ذلك الادعاء بأن النفوذ الإيراني قد انتهى في العراق، وأن الزيدي نجح في مقاومة الضغوط الإيرانية التي سعت إلى منعه من زيارة البيت الأبيض، وأن الأمور ستنتهي نهاية سعيدة كما كانت تُروى لنا في قصص الطفولة. فالعراق اليوم يقف في قلب العاصفة، ويُعد، كما أشرنا سابقًا، إحدى أهم ثلاث أوراق استراتيجية لبقاء النظام الإيراني. فالورقة الأولى هي مضيق هرمز، والثانية أمن دول الخليج، والثالثة العراق. وكما نرى اليوم، فإن مستوى التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران يزداد يومًا بعد آخر، والطرفان، الولايات المتحدة وإيران، غارقان في هذه المواجهة، ولا يلوح في الأفق أي مخرج قريب لها.

إن المعضلة التي تواجهها الولايات المتحدة في إيران تشبه، في جوانب عديدة، المعضلة التي تواجهها روسيا في أوكرانيا. فكلا الطرفين يدرك أن التراجع عن أهدافه الاستراتيجية يعني تراجعًا في مكانته الدولية، وإقرارًا بفشل مشروعه الجيوسياسي.

الفشل بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية يعني إخفاق استراتيجية البنتاغون والبيت الأبيض في استعادة الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي والحيلولة دون شروق فجر نظام متعدد الأقطاب عبر العسكرتارية والبلطجة العسكرية، رغم رفع الإنفاق العسكري السنوي إلى أكثر من تريليون دولار. ولذلك، لا تجد الإدارة الأمريكية أمامها سوى مواصلة سياسة التصعيد العسكري، وإلا ستخسر الى هيمنتها السياسية، مئات المليارات، بل التريليونات من الدولارات التي جرى الإعلان عنها في الاتفاقيات مع عدد من دول الخليج، ستتراجع فرص تدفقها إلى الاقتصاد الأمريكي. كما أن الصين ستواصل تعزيز نفوذها العالمي والإقليمي، فيما ستزداد فرص روسيا اندفاعًا في أوروبا والشرق الأوسط.

والنظام القومي الإسلامي الحاكم في طهران-قم ليس أوفر حظا من الإدارة الأمريكية. بعد التراجع الكبير في المنطقة، لم يعد أمامه سوى المضي قدمًا في معركته التي يعدّها معركة بقاء، وقد استغل مراسيم دفن المرشد الاعلى الذي قتلته القوات الأمريكية والإسرائيلية يوم 28شباط للاستعراض السياسي والاجتماعي وتسويق شرعية النظام وسياساته في مواجهة أمريكا ونفوذها في المنطقة. ومن ثم، فإن التصعيد العسكري الذي بدأه لا يمثل سوى محاولة أخيرة لتحسين شروط التفاوض والسعي إلى إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، بصرف النظر عن قدرته الفعلية على تحقيق هذا الهدف.

وكما أكدنا في مناسبات سابقة ايضا، فإن النظام الإيراني غير قادر على الانكفاء إلى الداخل، وهو تحديدًا ما تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرضه عليه، لأن الانكفاء يعني، في نهاية المطاف، بداية سقوطه. وقد يبدو هذا النظام، للوهلة الأولى، مجرد نظام ميليشياوي لا يتصرف بمنطق الدولة، كما يروّج كثيرون، إلا أن الحقيقة هي أن بنيته السياسية تستند إلى مشروع تصدير الثورة، أي إلى مشروع الهيمنة الإقليمية للبرجوازية القومية الإيرانية المتدثرة بالغطاء الإسلامي. أي بشكل آخر، ان هذا النظام بسبب بنيته الفكرية والسياسية والاقتصادية غير قادر على الاندماج بشكل طبيعي بالعلاقات الرأسمالية في محيطه الإقليمي والعالمي.

إلى جانب ذلك، يواجه النظام الإيراني أزمة اقتصادية خانقة لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو بالتعبئة الأيديولوجية. فهو يحتاج إلى موارد مالية هائلة لإعادة ترميم مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية، والحفاظ على تماسك طبقته الحاكمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتتسع دائرة التذمر حتى داخل الأوساط التي كانت تمثل تقليديًا أحد أهم مرتكزاته، ومنها قطاعات واسعة من البازار اهم اركان البرجوازية الايرانية التي اشعلت فتيل الاحتجاجات الاخيرة وادى الى مقتل اكثر من ٢٠ الف شخص.

وبين المأزقين اللذين يواجههما النظام الإيراني والإدارة الأمريكية، يقف النظام السياسي الحاكم في العراق في واحدة من أحلك مراحله. ومن ثم، فمن الوهم الاعتقاد بأن رئيس الوزراء علي الزيدي قادر على استقطاب دولار أمريكي واحد في ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني. فالشركات الأمريكية كانت موجودة في العراق أصلًا، لكنها سارعت إلى مغادرته مع تقليص الوجود الدبلوماسي الأمريكي وإجلاء موظفي البعثة الأمريكية، الأمر الذي يعكس انعدام الثقة بالبيئة السياسية والأمنية في البلاد.

أما ما يروّجه ترامب عن علي الزيدي، بوصفه رجلًا نادرًا وصاحب نفوذ، وأنه سيصنع تاريخًا مشرقًا في الشرق الأوسط، فلا يعدو كونه رسالة استفزاز موجهة إلى إيران، ودعاية تخدم السياسة الأمريكية في المنطقة. فالزيدي، في نهاية المطاف، لا يملك من عناصر القوة ما يجعله لاعبًا مستقلًا، ولن يكون أكثر من مديرٍ تنفيذي للسلطة القائمة، على غرار سلفه محمد شياع السوداني. ويجمع جميع رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على السلطة بعد غزو العراق واحتلاله هدفٌ مشترك، يتمثل في السعي إلى تحويل العراق إلى إقطاعية للشركات الرأسمالية العالمية، وإلى مزرعةٍ للعمالة الرخيصة، ترزح فيها الطبقة العاملة تحت وطأة الاستغلال وشروط العمل القاسية.

إن الأزمة التي تواجهها حكومة “الإطار التنسيقي” تكمن في التناقض البنيوي الذي تعيشه السلطة نفسها. فهي مطالبة أمريكيًا بإضعاف النفوذ الإيراني، وفي الوقت نفسه تستمد جزءًا كبيرًا من بقائها من هذا النفوذ. وبين هذين التناقضين، تبدو قدرتها على تحقيق وعودها الاقتصادية والسياسية محدودة للغاية.

ولهذا، فإن مستقبل العراق لن تحدده مذكرات التفاهم الموقعة في واشنطن، ولا التصريحات المتبادلة بين ترامب والزيدي، وإنما تحدده مالات الصراع الأمريكي الإيراني، وطبيعة التحولات الاجتماعية والسياسية داخل العراق نفسه، وهي تحولات ما تزال مفتوحة على احتمالات عديدة.

 

 

 

 

اترك رد