الأحتفاء بمئوية السياب على طريقتي ..السياب سُعالٌ في كتاب… نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
يخلق الشعر رغبته السحرية عند القراءة والسماع والتخيل، فهو الأزل الذي اقترن بنبض القلب قبل أن يقترن بحرف الكتابة ورعشة الشفتين. لهذا فإن الشاعر، في قدرته على الإحساس بالشيء، يُرينا الصورة ملموسة ومحسوسة ومصنوعة أو مخلوقة بعناية. وهكذا يُرينا الأزل الأرضي المزيد من الشواهد المدوّنة والمحكية والمؤسطرة، لكن أجملها ذلك المُعاش بألم التجربة الذاتية التي يمر بها البشر، فيتحول الأمر عندهم إلى موسيقى لمناجاة الروح كما فعله أيوب مع ألمه المزمن، فكانت تقرّحات جسده صورة معكوسة لتقرّحات روحه، لتأتي معه المناجاة صاخبة ومتألمة ومسترحِمة كما روته الأساطير السومرية أو كتب السماء.
وذاتُ الألم تجسّدت في معاصرة الشعر عند الشاعر بدر شاكر السياب في مناجاته وإظهار ضيقه وشعوره بألمه، حتى صار ألم أيوب قرينًا لألمه، لكن الفرق أن أيوب استجابت السماء لدعائه وتضرعه وشُفي، فيما السياب توغّل فيه الداء وسعال رئتيه المثقوبتين بالتدرّن، ليموت نحيفًا مثل هيكل عظمي على سرير حديدي في المستشفى الأميري في الكويت.
مات السياب في يوم كانت السماء تسعل فيه مطرًا، وشُيّع في ذلك النهار الماطر لتصنع قَدَرية الحزن عند الشاعر، رائد التجديد في الشعر العراقي والعربي، ثنائية “السعال في كتاب، والسعال في سماء يوم ماطر كان فيه المشيّعون بعدد أصابع اليد”.
هذه الجدلية بين الشاعر والسعال سجّلت تحت أجفان السياب تفاصيل عمر من الفقر والفاقة واضطراب المشاعر والشعور بالغبن والحاجة إلى إناث يتخيلهن يحلقن معجبات بين قصائده فيما يهربن من ملامح وجهه الصيني، حتى صار ينفث السعال والحسرة ويناجي كتابه بقوله:
يا ليتني كنتُ بديواني لأفرّ من صدرٍ إلى ثانِ
قد بِتُّ من حسدٍ أقول له: يا ليت من تهواكِ تهواني.
نقيضٌ في قلق الشاعر وموقفه إزاء محنته مع المرض وتعامل الآخرين معه، ليُسجّل هذا في وقائع ما يشعره ويكتبه، وليُمثّل في هذا الإحساس إنتاج أجمل تجربة شعرية حديثة سجّلها بتفاصيل وعي ودراية واحتراف، فكانت “أنشودة المطر” و”غريب على الخليج” و”سِفر أيوب” و”حفّار القبور” وغيرها، إنما هي نوافذ لرؤى الحداثة في التكوين السيابي الذي شكّل ظاهرة أدبية حملت أسئلتها ومعجبيها ودارسيها.
يشكّل السياب في مشكلته مع سعال صدره التعامل مع القدرية بدواء الشعر، عندما شعر أن مشافي العراق وباريس والكويت لن تشفيه، وأن دواءه أن يبثّ لواعجه عبر قصائد اعتبرها يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج تحمل دهشتها وغرابتها وقوتها، لتشكّل في إحساسها صدق الإحساس وانعكاس الألم الداخلي الذي عاناه الشاعر، وفي آخر مراحل المرض شاهد قطرات دم تخرج مع السعال.
تلك الصورة وذلك الألم مسكونة بمشاعر القدر في الخلق البشري لشخص الشاعر، مثّلت تحديًا أراد أن ينتصر عليه، ولكنه في النهاية سكن إلى الكآبة والقدرية الظالمة التي تركت موهوبًا فذًّا كالسياب يعاني الفاقة والفصل من الوظيفة وألم سرير المشافي.
أحمل نحافة الرجل وحزن أجفانه وأتصفّح في تفاصيل ومحطات حياته هذا العالم المتشكّي والممتلئ بروعة الأناشيد والأساطير وحداثة الصورة وفكرتها، وأجوب به شوارع البصرة في القرن الحادي والعشرين، فأكتشف أن الشاعر بين غالبية أهله ليس سوى نصب من البرونز أدار ظهره لبساتين شط العرب وصار مصدر رزق لكاميرات التصوير أو صور الذكرى لضيوف المرابد البائسة.
وسط تلك الإشكالية أتخيّل وجود الشاعر في حياتنا فأحسبها درسًا في منهج كتاب النصوص للرابع العام، وغير ذلك فإن القلة النادرة هم من يحتفظون بأعماله الكاملة ويستعيدون معها الإحساس الرائع بجودة الشعر ورقّته ورصانته. وقلة نادرة أيضًا يكتبون عنه ويدرسونه، فيصبح الشاخص البرونزي مجرد واجهة لسياحة المدينة تهمّ منجزات البلدية وحاكم المدينة، غير ذلك لن يكون السياب للبصرة كما بورخيس لبوينس آيرس.
فالأرجنتين احتفاءً ببورخيس تبني المكتبات وتصدر طوابع تحمل صورته وتعيد طباعة كتبه والأطاريح التي كُتبت عنه، فيما السياب لم تذكره حكومة مدينته بكرّاس يُطبع عنه أو أي مناسبة تستذكره فيها.
وهكذا يُظلم السياب في حياته ومماته، وتحتفي به الجامعات خارج العراق أكثر من جامعات بلاده.
صورة السياب في سعاله وحزنه وخرخشة الهواء الخارج من رئتيه هي صورة أيوب في قدرية الألم، صورة البؤس الذي يلاحق الشعراء في عصور العشق والصعود إلى مقاصل الإعدام والجلوس أمام موائد الملوك في بهجة الهبات والعطايا، وقدرية الموت الذي واجهه وذُبح بسيف فاتك الأسدي قرب نعمانية واسط.
وهكذا يخرج السعال من الكتاب وليس من رئتي السياب، صورة المفارقة التي تمتزج بغبار شوارع المدينة الصاخبة، حيث تعاني البصرة اليوم من إهمال غريب حدّ جعل عمّال تبديل زيوت السيارات يقتربون أكثر فأكثر من تمثال الشاعر مع بسطياتهم ودهونهم وضياع القانون واختفاء مراقبي البلدية.
هذا الخروج القسري من رئة القصائد والدواوين والحنجرة المتعبة يمثّل الحس الذي يسكننا في قراءة تواريخنا الممتلئة بالأسى والرقاب المتدلية من الحبال وطوابير الفقراء وعمّال الطين والشعراء المفلسين مع صفنة أرائك المقاهي وصوت أم كلثوم من أجهزة المذياع ذوات اللمبة.
بين سعال الشاعر ومدينته تظهر بشكل جدلي تلك العلاقة في ثنائية المودّة بين الحلم وعصور الشعر التي عاشها العراق منذ كشوفات الحرف وأفران الخبز وألواح الأساطير وساحات الحروب التي من بعض هواجس ولادتها هو سعال الشعراء وموسيقى نبض قلوبهم، وربما يمثّل السياب في هذا السِفر منذ أيوب إلى اليوم صورة من صور ذلك الألم المميّز الذي أصبح ظاهرة ليس بفضل التدرّن الذي ملأ رئتيه، بل بفضل تلك الغرائبية المدهشة التي صنعها الشاعر في قصائده وقد امتلأت حداثة ورومانسية وسريالية وجمالًا وبلاغة.
السياب سُعالٌ في كتاب.
مقياس ما أراه في قراءتي لما أنتجه الشاعر وأسمعنا إياه، نتاج ثري من رئة مريضة، ولكنها حتمًا أثرت في مسامعنا نشوة عصر من الأحلام والأمنيات والذكريات لتسجّل مع محطات الزمن ومحطات القطارات وقائع تلك الأقدار التي قدّرتها الآلهة البابلية والسومرية والآشورية والأكدية لحياة بلاد الرافدين.

اترك رد