منبر العراق الحر : طريق التنمية بين إرادة الدولة وهيبة القرار
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول لا تكون القرارات مجرد توقيعات على أوراق بل تكون انعكاسًا لهيبة الدولة ووضوح مؤسساتها، واستقلال إرادتها. وحين يتعلق الأمر بمشروع استراتيجي بحجم “طريق التنمية”، فإن أي تردد أو تأجيل، أو اشتراط غير مؤسسي، يتحول من فعل إداري بسيط إلى علامة استفهام كبيرة تُطرح على بنية القرار الوطني بأكملها.
إن رفض وزير النقل التوقيع على اتفاقية طريق التنمية ليس مجرد موقف إداري عابر، بل هو لحظة سياسية مكثفة، تكشف عن عمق التداخل بين القرار الفني والسياسي، وتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل القرار في مؤسسات الدولة يُصنع وفق الأطر الدستورية…؟
أم أنه يُعلَّق أحيانًا بانتظار “إشارة” من خارج السياق الرسمي…؟
طريق التنمية ليس مشروعًا عاديًا. إنه شريان اقتصادي، وممر استراتيجي، وحلم دولة تسعى لاستعادة دورها في الجغرافيا الاقتصادية العالمية. هو مشروع يعيد رسم الخريطة، لا على الورق فقط، بل في الواقع الاقتصادي والسياسي. ومن هنا، فإن تعطيل التوقيع عليه، أو ربطه بإرادة شخص، أيًّا كان موقعه، يُعد مساسًا بجوهر الدولة الحديثة التي تقوم على المؤسسات لا الأفراد.
إن أخطر ما في هذه الواقعة ليس الرفض بحد ذاته، بل مبرراته. حين يصبح القرار السيادي مرهونًا بـ”أمر” أو “إشارة”، فإننا نكون أمام خلل بنيوي في مفهوم الدولة. الدولة التي تُدار بالإشارات، لا بالقوانين، هي دولة تضع نفسها في مهب الريح، وتفقد تدريجيًا ثقة مواطنيها وشركائها على حد سواء.
وهنا، لا بد من التمييز بين حق المسؤول في التريث والدراسة، وبين رهن القرار بانتظار توجيه غير مؤسسي. فالتريث حق، بل واجب، إذا كان الهدف حماية المصلحة العامة. أما التعليق بانتظار “أمر”، فهو إقرار ضمني بأن القرار لا يُصنع داخل المؤسسة بل خارجها. وهذه نقطة خطيرة تمسّ جوهر السيادة.
إن مشروع طريق التنمية، بما يحمله من أبعاد اقتصادية وجيوسياسية، لا يحتمل التردد ولا الضبابية. العالم لا ينتظر المترددين، والاستثمارات لا تذهب إلى الدول التي تُربك قراراتها بنفسها. كل تأخير غير مبرر هو رسالة سلبية تُقرأ بعناية من قبل الشركاء الدوليين، وقد تُترجم إلى تراجع في الثقة، أو إعادة حسابات في التحالفات الاقتصادية.
ولعل الأكثر إيلامًا، أن يتحول مشروع وطني جامع إلى ساحة اختبار لميزان القوى داخل الدولة. فالمشاريع الكبرى يجب أن تكون فوق الخلافات، وأن تُدار بعقل الدولة لا بعقل الأفراد. الدولة التي تُجزّأ قراراتها بين الولاءات، تفقد قدرتها على بناء مستقبل مستقر.
إن ما حدث يفرض ضرورة إعادة النظر في آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات. لا بد من ترسيخ مبدأ أن القرار السيادي يُصنع داخل الإطار الدستوري، وبوضوح كامل وبمسؤولية معلنة. فلا يجوز أن يبقى المواطن في حيرة: من يقرر…؟
ومن يؤخر…؟
ومن يملك الكلمة الفصل…؟
إن هيبة الدولة لا تُقاس فقط بقوة قوانينها بل بقدرتها على تطبيقها دون تردد أو تدخل. وكلما اختلطت الصلاحيات، وتداخلت الإرادات، تآكلت تلك الهيبة، حتى تصبح القرارات الكبرى رهينة لحسابات صغيرة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بشخص وزير، ولا باسم جهة، بل بمفهوم الدولة ذاته. هل نحن أمام دولة مؤسسات تحكمها القوانين…؟
أم أمام واقع تتنازع فيه الإرادات، وتتأجل فيه المشاريع الكبرى بانتظار كلمة عابرة…؟
طريق التنمية ليس مجرد طريق… إنه اختبار حقيقي لقدرة الدولة على أن تكون دولة.
فإما أن يُعبَّد بالإرادة الوطنية الحرة، أو يبقى مؤجلاً… في دفاتر التردد.
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر