الطائر الخفي .. و مدارج الذكر والبلاء…رياض سعد

منير العراق الحر :

الفصل الأول: في خلوة الشيخ

في آخر الليل، حين كانت السماء تخلع عباءة الظلام على مهل، وقف المريد زين عند باب عرفة الشيخ سليم في المسجد البعيد ، وقد أثقلت كتفيه سنوات من البلاء حتى بدا كأن عمره أكبر من عمره الحقيقي.

هناك حيث يجلس الشيخ سليم في غرفته ومحرابه ، تنير وجهه ابتسامة هادئة كمن يرى ما لا يراه الآخرون… , أمامه جلس مريده زين، شابٌّ تاهت روحه بين سماء الشوق وأرض التكليف، وفي ركن آخر من الغرفة، جلس الصديقان باسل وياسر، بينهما من التآلف ما بين الروح وجسدها، لكن البلاء كان قد اختار باسل ليكون محرابه الخاص… ؛ اذ كان البلاء يطارده كظله؛ فما إن يغلق باب مصيبة حتى تفتح له أبواب أخرى، حتى ظن أن القدر قد اختاره ليكون ميدانًا للامتحان …

ساد الصمت لحظات، ثم فتح الشيخ عينيه ونظر إلى باسل نظرةً عرف منها أن كلامًا عظيمًا سيُقال …

الشيخ سليم: “يا باسل، رأيتُ وجهك اليوم، وفيه من أثر البلاء ما يجعله أجمل من وجه ياسر الذي لم يُبتلَ مثلك… , أتدري لماذا؟”

باسل: (بصوتٍ تخنقه العبرات) “شيخي ، لقد ضاقت بي الدنيا بما رحبت، كلما أنهض من كبوة وقعتُ في حفرةٍ أعمق، ومع ذلك لم أترك الذكر، لكني لا أفهم: لماذا كلما واظبتُ على الأوراد والاذكار تهجم عليَّ المصائب ككتائب لا ترحم … ؛ البلاء لا يمنحني فرصة لالتقاط أنفاسي… , كلما خرجت من مشكلة ، وقعت في أخرى … ؛ حتى صرت أخاف الفرج، لا البلاء.؟!”

سكت الجميع.

ثم رفع رأسه نحو الشيخ وقال بصوت متهدج:

يا شيخي … لم أترك الذكر لحظة.. , لساني لا يفتر، وقلبي متعلق بالله، ومع ذلك كلما أكثرت من الأوراد، جاءتني المصائب والمشاكل … ؛ أهذا قرب أم هجر؟ أهذا لطف أم غضب؟!

ياسر: (يمد يده على كتف صديقه) : “أخي، لقد رأيتُ صبرك، وكلما ازداد بلاؤك ازداد خشوعك في الصلاة، كأن الألم يصقل روحك كما يصقل الحديد الحجر.”

ثم نظر الشيخ إليه طويلًا، ثم أغمض عينيه كأنه ينصت إلى صوت لا يسمعه غيره.

قال بهدوء:

يا باسل … هل رأيت الذهب قبل أن يصبح حليًّا؟

قال: نعم.

قال: وهل يدخل النار مرة واحدة؟

باسل : بل مرات كثيرة.

ولماذا؟

باسل : ليصفو من الشوائب.

ابتسم الشيخ وقال: لو كان الذهب يعقل، لظن أن النار تكرهه، وهي في الحقيقة تصنع قيمته…

ساد الصمت…

ثم قال ياسر : ولكنني أرى أن بلاء باسل أكبر من بلائي بكثير… ؛ أنا فقدت سيارتي فقط ، أما هو فيفقد كلما استعاد شيئًا…

نظر الشيخ إلى ياسر وقال: لا تقارنوا بين الجراح… ؛ فلكل قلب قدرته على الحمل، ولكل روح طريقها إلى الله… ؛ ليس أعظم الناس بلاءً أكثرهم غضبًا وقلقا ، بل أكثرهم احتمالًا…

ثم التفت إلى باسل وسأله: أخبرني… حين تشتد عليك المصائب، ماذا تفعل؟

قال: أذكر الله أكثر.. , وحين يزداد الذكر … ؛ يزداد البلاء…!!

هنا ابتسم الشيخ ابتسامة العارف وقال: إذن أنت تنظر إلى البلاء، ولا تنظر إلى نفسك ؟

تعجب باسل …

قال الشيخ: أتظن أن الذكر وعدٌ بالحياة السهلة؟

الذكر ليس درعًا يمنع السهام، بل جناحٌ يرفع الروح فوق ميدان السهام.. , قد يبقى الجسد في الأرض، لكن القلب يكون في السماء.

زين: (يتقدم قليلاً) “يا شيخي ، أنا أيضًا حائر، أقرأ كلمات العارفين عن الطائر الذي في العنق، عن الذكر الذي يرفرف بين الأضلاع، لكني أشعر أن طائري قد ثقلت أجنحته، كأنه يشدني إلى الأرض كلما أردتُ العلوّ…!!”

 

الفصل الثاني: الطائر والبلاء

 

 

ابتسم الشيخ سليم ابتسامة من يعرف ما في القلوب قبل أن تنطق به الألسن، ثم قال : “يا أبناء النور، إن الله ما جعل البلاء عقابًا لمن يحب، بل جعله ميزانًا لمعرفة المقامات… , ألم تسمعوا قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾؟

ذلك الطائر الخفي ليس جناحًا من ريش ولا آلة من حديد، بل سرٌّ أودعه الله في عنق كل عبد، يحمل روحه … ومن الناس من يحيا ومركبه على الأرض لا يتجاوز مداه بصره المحدود، ومنهم من يحيا ومركبه في السماء يرى الأرض كلها من علوٍّ فيعرف مقاديرها.”

قال باسل : طالما فكرت في هذه الآية…

قال الشيخ سليم :كثيرون يقرؤونها ولا يعيشون معناها.. , كلما ذكرت الله نما لهذا الطائر جناح جديد.. , وكل تسبيحة ريشة، وكل تهليلة قوة، وكل صلاة على النبي ﷺ نسمة تحمل هذا الطائر إلى أعلى.. , فإذا علا القلب، بقي البلاء في الأرض، ولم يعد قادرًا على الوصول إلى روحك..

باسل: (بألمٍ ممزوج بالرجاء) “لكني يا شيخي ، أراني أحيا على الأرض، بل في حفرتها، والطائر يرفرف فوقي ولا يصل إليَّ!”

الشيخ: “تأمل يا باسل، لما ابتليت بأعظم البلاء، ألم تجد نفسك تذكر الله أكثر؟ ألم تكن صلاتك أطول، ودعاؤك أعمق، وبكاؤك أصدق؟ فما هذا إن لم يكن الطائر يحاول أن يهبط إليك ليحملك؟ لكنك في غفلتك عنه تظنه بلاءً، وهو في حقيقته رحمةٌ مُخفيَّة.”

ياسر: (متأملاً) “فالبلاء إذن يمكن أن يكون ذكرًا؟”

الشيخ: “البلاء ذكرٌ مكتوب بالصبر، والذكر بلاءٌ مكتوب بالشوق.. , أما أنتم يا باسل وياسر، فلكلٍّ منكما مقامه.. , ياسر، بلاؤك خفيفٌ لأن الله يعرف أن قلبك لا يحتمل ثقله، أما أنت يا باسل، فثقله دليل على سعة قلبك، كالبحر كلما ازداد عمقًا ازدادت ظلمته، لكنه يحمل في قعره اللآلئ.”

زين: (بشوق) “وكيف لي أن أعرف أن طائري يحملني أم يثقلني؟”

الشيخ: “إذا وجدت روحك تهتف بالذكر رغم ثقل جسدك، فاعلم أن الطائر قد أقلع.. , وإذا وجدت جسدك يثقل عليك رغم خفة روحك، فاعلم أن الطائر يحاول أن ينفض عنك غبار الأرض.”

زين : ولماذا أشعر أحيانًا أنني وحدي؟

قال الشيخ: لأن الله يفرغ قلبك من كل سند، حتى لا يبقى فيه إلا هو… ؛ كي تلتجئ اليه وتعوذ به …

 

الفصل الثالث: مدارج الذكر

 

ساد صمتٌ مليء بالمعاني، ثم قام الشيخ ومد يده إلى باسل ؛ وقال : “تعالَ معي إلى الحديقة.”

مشوا جميعًا، وكان القمر قد ارتفع في السماء، ينير أشجار المسجد التي كانت تهمس بأوراقها كأنها تسبح.

ثم أخذ الشيخ أربعة أكواب من الفخار، ملأ ثلاثة منها ماءً عذبًا، أما الرابع فملأه ماءً شديد الملوحة…

وقال: تذوقوا.

شرب زين فوجد الماء عذبًا.

وشرب ياسر فوجد الماء عذبًا.

أما باسل ، فلما شرب، وجد الماء مالحًا.

علما أن الكأس المالح في الواقع هو كوب الشيخ سليم، وليس كوب باسل

ابتسم الشيخ وقال: أتعلمون لماذا؟

نظروا إليه مستغربين.

قال: لأن الكأس لم يتغير… الذي تغيّر هو فم المتذوق… , وكذلك الدنيا؛ ليست هي التي تتبدل دائمًا، بل القلوب والمشاعر والاحاسيس .

ثم اقترب من باسل ووضع يده على كتفه وقال: يا بني، ربما أراد الله أن يجعل منك شاهدًا على الصبر، لا مجرد طالب للراحة… ؛ إن بعض الأرواح لا تبلغ باب المعرفة إلا إذا مرت في وادي الابتلاء.

اغرورقت عينا باسل بالدموع.

قال بصوت خافت: كنت أظن أن كثرة المصائب علامة بُعد… ؟!

قال الشيخ: ليست كل مصيبة كرامة، ولا كل رخاء رضا. لكن المؤمن يزن نفسه بميزان الإيمان، لا بميزان النعم والمحن. فإن وجد قلبه ثابتًا على الذكر والطاعة، حمد الله وسأله الثبات.

ثم أضاف: تذكروا دائمًا أن الغاية ليست أن يخف البلاء، بل أن يزداد القلب قربًا من الله.

ثم وقف الشيخ تحت شجرة عتيقة، وقال : “انظروا إلى هذه الشجرة، جذورها في الأرض المعتمة، وفروعها في السماء المضيئة.. , هكذا أنتم، جذوركم البلاء في هذه الدنيا، وفروعكم الذكر وجنات النعيم … ؛ فالذكر ليس عادةً على اللسان، بل طائرٌ في عنقك، إن أمسكت به علا بك، وإن أضعته أسقطك.. , وكل تسبيحةٍ ريشة تكتمل بها طائرتك الخفية، وكل تهليلةٍ وقود يدفعك إلى طبقات السماء.”

باسل: (والدموع تسيل على خديه) “لكن يا شيخي ، حين أذكر، كأن البلاء يشتد، كأن كل تسبيحة تفتح بابًا جديدًا من الألم!”

الشيخ: “وهل رأيت طائرًا يحلق دون أن يرفرف بجناحيه بقوة؟

كل رفرفة ألم، لكنها ترفعه.. , كذلك الذكر، مع كل تسبيحة تتمزق حجب، ومع كل تمزق ألم، لكنه ألم الولادة، لا ألم الموت…

أتدري لماذا جعلك الله تحمل هذا البلاء العظيم؟

لأنه يريد أن يرفعك إلى مقامٍ لا يصل إليه إلا من سلك هذا الطريق.. , إن البلاءَ عند الله ليس عقابًا، بل انتقاءً… ؛ اذ يقول الصوفيون: ‘إذا أراد الله بعبد خيرًا، ابتلاه، وإذا أحبه، ابتلاه حتى يسمع صوته ‘.”

ياسر: (بحسرة) “يا ليتني ابتليت كما ابتليت أنت يا باسل!”

الشيخ: (يبتسم) “لا تقل هذا يا ياسر.. , لكلٍّ ابتلاؤه، وإن اختلف شكله.. , قد يكون ابتلاؤك في قلة الصبر على البلاء، وهذا أعظم الابتلاءات…!!”

 

الفصل الرابع: النور في الظلمة

جلسوا تحت الشجرة، ورفع باسل رأسه إلى السماء، وقال بصوتٍ خافتٍ وكأنه يناجي نفسه : “كيف للطائر أن يطير بجناحين مثقلين بالبلاء؟!”

الشيخ: “انظر إلى القمر، أليس نوره من ظلمة الليل؟

كذلك الذكر، إنه نور من ظلمة البلاء.. , كلما اشتدت ظلمتك، ازدادت حاجتك إلى النور، وكلما ازدادت حاجتك، اقتربت من مشكاة النور.. ؛ يا باسل : إن البلاء الذي تشكو منه هو نفسه جناحك الآخر، فلولا ثقل البلاء لما شعرت بثقل الذكر، ولولا ثقل الذكر لما شعرت بحلاوة القرب.”

زين: (مندهشًا) “إذن البلاء والذكر وجهان لعملة واحدة؟”

الشيخ: “بل هما جناحان لطائر واحد.. , فالذكر جناح النور، والبلاء جناح الصبر، ولا يطير الطائر إلا بجناحين.. , فمن كانت له جناح واحد، بقي يدور في مكانه، ومن جمع بينهما، علا في مدارج العارفين والسالكين والسائرين نحو الله .”

باسل: (بصوتٍ تهتز فيه الرجفة واليقين) “يا شيخي ، كأن قلبي ينفتح الآن على معنى لم أكن أراه.. , كنتُ أظن أن الذكر فرارٌ من البلاء، والآن أرى أنه احتضانٌ له، وأن البلاءَ صورةٌ أخرى من الذكر، والذكر صورةٌ أخرى من البلاء.”

الشيخ: (ينظر إليه بنظرة إعجاب) “هذا هو الفتح يا باسل، هذا هو الطائر الذي يرفرف في قلبك الآن.. , إنه ليس جناحًا من ريش، بل سرٌّ أودعه الله في عنقك حين قال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.

وذلك الطائر هو الذكر الذي يرفرف بين أضلعة العارفين، فمن لازم ذكره طار به إلى مقامات لا تدرك بالأقدام، ومن غفل عن ذكره بقي محبوسًا في قفص الجسد، يُبصر بعينيه ولا يرى، يفكّر بعقله ولا يعقل، يمشي برجليه ولا يتحرك , يسير ولا يصل .”

ثم اكمل قائلا : الذكر يا بني ليس وسيلة لتغيير مقادير الدنيا، بل هو وسيلة لتغيير وعيك بالمقادير! حين تجلس للذكر وتتزاحم عليك الكروب، فاعلم أن وعيك يتبدل، وأنك تشهد ما لم يكن ظاهرًا… ؛ الله يريدك “عبدًا ذاكرًا في السراء والضراء”، لا “عبدًا ذاكرًا بشرط السلامة …

 

الفصل الخامس: الإقلاع

سكت الشيخ لحظة، ثم نظر إلى باسل وقال: “الآن يا باسل، وقد بدأ طائرك يرفرف، دعني أخبرك بالسر الأعظم: كلما ذكرتَ الله أكثر، اشتدَّ بريق روحك أكثر، وانكشفت لك آيات الكون بصفاء أكبر، حتى تعلم أنك وإن كنت في نفس المكان جسدًا، فأنت عند الله في مقامٍ آخر روحًا… ؛ هناك تُكشف لك الأبعاد، ويُمحى عنك الحجاب، وتعلم أن كل خطوة بالذكر هي قربٌ إليه، وأن كل غفلةٍ بعدٌ عنه… ؛ فسبحان من جعل الذكر سفينة الأرواح، وسلَّمها لكل عبد في عنقه، فمن ركبها وصل، ومن ضيّعها بقي في سجن الظلمات.”

باسل: (وقد تغير وجهه، وكأن نورًا باطنًا أشرق فيه) “يا شيخي ، أشعر الآن أن البلاء لم يعد ثقيلاً، بل صار خفيفًا كالريشة، وكأن الألم تحول إلى نور!”

ياسر: (ينظر إلى صديقه المبتلى بدهشة) “والله يا باسل، إن وجهك ليضيء الآن كما لم يضئ من قبل!”

زين: (بتأثر) “يا شيخي ، علمني كيف أصل إلى ما وصل إليه باسل!”

الشيخ: (يضع يده على رأس زين) “يا زين، لا تتعجل.. , كلٌّ له مقامه، وسيرته في الطريق.. , اسأل الله أن يريك حقيقة البلاء والذكر، وسترى أن الطريق إلى الله لا يخلو من منازل، ولا منازل بلا تعب، ولا تعب بلا أجر، ولا أجر بلا شوق، ولا شوق بلا لقاء.”

ثم التفت إلى الثلاثة وقال: “اذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم، لتعلوا به حيث لا يبلغه جسدكم، ولتعلموا أن ما عند الله أعظم مما بين أيديكم… ؛ يا أيها السائرون في مدارج الذكر، لا تنظروا إلى صغر عملكم، فكل تسبيحة نور، وكل تحميدة علوّ، وكل تهليلة سماء، وكل صلاة على النبي ﷺ جناح يرفرف بكم…

حتى إذا امتلأت قلوبكم بالذكر، وجدتم أن الله قد قرّبكم، وأنكم تذوقون لذّة القرب ولو كنتم في دار الدنيا.”

الفصل السادس: الطائر يرفرف

وقف باسل، ورفع يديه إلى السماء، وقال بصوتٍ يفيض إيمانًا: “اللهم إني أشهد أن البلاء الذي حملته كان ذكرًا خفيًّا، وأن الألم الذي عشته كان قربًا مستترًا، وأن دموعي التي ذرفتها كانت وضوءًا لروحي… ؛ اللهم اجعل طائري هذا يرفرف بك يا الله، واجعله يحملني إلى حيث لا تبلغ الأقدام ولا تدرك العقول… ؛ اللهم إني أسألك أن تجعل ذكري نورًا، وصبري جناحًا، وبلائي درجةً، وقربي إليك غايةً.”

ياسر: (يبكي) “يا أخي، لقد كنتُ أراك مبتلىً، والآن أراك محبوبًا… ؛ علمني كيف أحمل بلائي الخفي كما حملت بلاءك الجلي.”

زين: “وعلّمني كيف أجد طائري في عنقي، فقد كنتُ أبحث عنه في السماء وهو بين أضلعي.”

ابتسم الشيخ سليم، وقال: “هو الطائر الذي لا يحتاج إلى وقود الدنيا، ولا إلى ريش الطيور، ولا إلى محركات الحديد، بل إلى قلبٍ حاضر ولسانٍ ذاكر.. , فإذا اجتمعا ارتفعتَ حتى لو كنت قاعدًا في مكانك، وغبتَ حتى لو كنت حاضرًا بين الناس… ؛ وهناك تُصبح قريبًا من الله، كأنك تسمع النداء الأول، وترى المعنى كما لو كان يُكتب أمامك بالنور، فتوقن أن الذكر حياة، وأن الغفلة موت… ؛ وما ارتقى عبدٌ بذكر الله إلا حمله الرحمن على جناح لطفه، وما هبط عبدٌ بغفلته إلا تركه لنفسه تائهًا في وحل الأرض.”

 

الخاتمة: في أفق القرب

ومضت ليالٍ، وانصرمت سنوات , وكبر باسل في الطريق، وصار البلاء الذي كان يحمله كالجبال يبدو له كالريشة، وصار الذكر الذي كان يثقله كالسلسلة يبدو له كالنور.

وفي يومٍ من الأيام، وهو جالس في المسجد مع ياسر وزين، قال لهم: “تذكرون ذلك المساء مع المرحوم الشيخ سليم؟ لقد فهمت الآن أن الطائر الذي في عنقي لم يكن إلا حقيقة ذكري، وأن البلاء الذي حملته لم يكن إلا وقودًا لأجنحته… ؛ فمن الناس من يحيا ومركبه على الأرض، لا يتجاوز مداه بصره المحدود… , ومن الناس من يحيا ومركبه في السماء، يرى الأرض كلها من علوٍّ فيعرف مقاديرها، فلا يفتتن بصغيرٍ ولا يعظم كبيرًا، لأن المقياس تبدّل حين علا.”

ياسر: (بتواضع) “وأنا يا أخي، تعلمت منك أن البلاء الخفي هو البلاء الأكبر، لأن صاحبه لا يدركه حتى يبتلى بفقدان الصبر على بلاء غيره.”

زين: (بشوق) “وأنا تعلمت أن الطريق لا يُقطع بالأقدام بل بالأجنحة، وأن الأجنحة لا تنبت إلا بذكرٍ يرفرف في القلب.”

ياسر : بالله عليك يا باسل، بعد كل ما مررتَ به من ابتلاءات، وبعد كل ما رددته من أذكار وأوراد، أما بلغتَ بعدُ حقيقة البلاء؟ أما أدركتَ معنى ذلك الطائر الخفي الذي ألزم الله كلَّ إنسانٍ إياه في عنقه، وألزمك به كما ألزمني؟

 

أغلق باسل عينيه لحظة، كمن يستمع إلى نداء بعيد لا يصل إلى آذان الحاضرين… ؛ ثم فتحهما وقال، موجهاً كلامه لياسر لكن بصوت يخاطب الأعماق في كل الحاضرين:

 

“يا ياسر… اسمعني بقلبك لا بأذنيك.. , سأحكي لك حكاية.. , كان هناك طائر صغير، أبيض كالثلج، محبوس في قفص ذهبي.. , وكان له صاحب يهواه، يأتيه كل يوم بالطعام والماء، ينظف قفصه، يلمس ريشه برفق.. , لكنه لم يفتح له باب القفص أبداً.. , كان الطائر يتألم، يرى السماء من بين قضبان الذهب، يحنّ إلى التحليق، يضرب بجناحيه جدران القفص حتى تكاد تنكسر.. , وفي كل مرة يضرب فيها، كان صاحبه يقول له: ‘اصبر، فإنما ابتليتك لأني أحبك’.

غضب الطائر يوماً وقال لصاحبه: ‘إن كنت تحبني، فلماذا تسجنني؟!

لماذا لا تطلق سراحي لأطير كما خلقتني؟!’.

عندها اقترب الصاحب من القفص، وقال بصوت يملؤه حب عجيب: ‘يا صغيري… لو أطلقتك الآن، لافترسك صقر السماء في لحظة.. , جناحاك ضعيفان بعد، لا يقويان على العواصف.. , إن ضرباتك هذه هي ما تبني عضلات جناحيك.. , وضيق القفص هو ما يعلمك قيمة الفضاء.. , طعامي لك هو ما يصنع ريشك القويّ… ؛ حين تكتمل قوتك، لن أحتاج أن أفتح الباب… سأفكك القفص كله، فإذا بك تحلق بقوة ذاتية لا يطالك معها صقر، ولا ترهبك عاصفة.. , أنا لا أحبسك لأعذبك، بل أحبسك لأحميك حتى تكتمل’.

 

يا ياسر… هذا هو الجواب… ؛ الذكر ليس صفقة، ليس ‘أذكره فيرفع عني البلاء’… ؛ الذكر هو صوت جناحك وأنت تبني عضلات روحك في قفص البلاء… ؛ أنت تظن أن البلاء عقاب، أو دليل على أن طائرك معطوب… كلا.

بل إن حدة البلاء مع كثرة الذكر هي الدليل على أن طائرك ضخم، عنيف، قوي، يحتاج قفصاً أضيق ليبذل جهداً أعظم… ؛ قفصك ليس أصغر، بل جناحك صار يكاد يملأ القفص كله، ولذلك تحس الاحتكاك بكل جدار…!

لو كان طائرك ضعيفاً صغيراً، لكنت ترقد في زاوية القفص، لا تحس بالجدران أصلاً، وما كان البلاء ليؤذيك، لأنك ببساطة لا تتحرك نحو السماء.”

ارتعش جسد ياسر… ؛ لم يبكِ، لكن عينيه اتسعتا كمن يرى لأول مرة. تمتم: “أتقصد يا باسل … أن شدة ألمي هي دليل قوة جناحي، لا ضعفه؟”

قال باسل : “نعم يا ياسر , وأزيدك… ؛ إن الله إذا أحب عبداً، جعل الذكر حياً في قلبه لا مجرد لفظ على لسانه.. , والذكر الحي يحرق.. , يحرق التعلق، يحرق الأنا، يحرق الغفلة , يحرق الحقد والحسد , يحرق الشهوات , يحرق المظاهر الكاذبة , والمناصب المادية … ؛ وهل رأيت شيئاً يحترق بصمت؟!

النار أبداً يصاحبها دخان وألم وصراخ وصوت ما يحترق ومن يحترق … ؛ أنت تحترق لأنك تذكر الله بقلب حيّ لا بلسان ميت… ؛ طائرك ليس كطائر الغافل.. , طائر الغافل في عنقه تمثال من خشب، لا يتحرك، لا يرفرف، لا يوجعه شيء لأنه ميت أصلاً!

أما أنت، فطائرك من نور، حيّ، عنيف، يريد أن يمزق جلدك ليطير إلى ربه… ؛ أتسأل لماذا الألم؟

أقول لك: هو ألم الولادة ؛ ألم المخاض , ألم الصراع والصبر والتحدي … ؛ كل تسبيحة من قلب موجوع هي طلقة في جدار البيضة لتخرج إلى فضاء ‘فاذكروني أذكركم’.”

وهنا تدخل زين بصوت متهدج: “مولانا… هل معنى هذا أن الأمان في الطريق ليس ألا نتألم، بل أن نأتي على ذكر ألمنا فنراه جناحاً؟”

ابتسم ياسر : “أحسنت.. , هذا هو عين اليقين.. , لقد قال شيخنا الشيخ سليم : ‘الذكر هو الطائر’… ؛ وأنا أقول لك: البلاء للذاكر الصادق هو الهواء الذي يرفع الطائر لا الذي يوقعه… ؛ الطائر يا أخوتي لا يطير في الفراغ… يطير بمقاومة الهواء.

إن أردت أن تعلو، فلا بد أن يقاومك شيء… ؛ أتظن أن الأولياء طاروا إلى الله في نزهة؟!

لقد جُعلت لهم الدنيا بأسرها هواءً كثيفاً يقاوم أجنحتهم، فكلما زادت المقاومة، ارتفعوا أعلى… ؛ أما من لا مقاومة له، فهو حجر لا طائر، يظن أنه في أمان، والحقيقة أنه ساكن في قاع الوادي، لا يعرف السماء إلا من بعيد.”

 

نظر ياسر إلى باسل نظرة غامضة، فيها فرح حزين، وفيها ودّ عظيم… ؛ و قال: “يا باسل ، أتعرف متى تأكدت أن طائري قد حملني؟ ليس حين انتهى الألم… ؛ الألم لم ينته… , ما زلت أفقد ابي كل صباح حين أستيقظ ولا أجد صوته… ؛ ما زلت أمرّ على غرفته فأحسّ طعنة في صدري… ؛ لكن الفرق…, أن الطعنة صارت تذكرني بالله لا بالدنيا… ؛ صرت أبكي، فيصير البكاء صلاة.. , صار الحزن وردي، والفقد شيخي… ؛ لقد أخذ الله مني ما كنت أحب لأتعلق بمن لا يزول… ؛ طائري، يا باسل ، لم يخرجني من الألم، بل حلق بي في سماء الألم حتى رأيت جمال الحكمة.. , أنا الآن في مرحلة الألم للتو… ؛ سأبقى أبكي حتى أصل الى ما وصلت اليه …

باسل : لكن يوماً ما، سيبزغ فجر لا تعرف كيف جاء، وستجد نفسك تبكي ولكن… ؛ بلذة. ستسجد فتطيل السجود لا لتشكو، بل لأنك وجدت في السجود طيراناً… ؛ سيصير بلاؤك هو سرّك.. , ليس لأن البلاء انتهى، بل لأنك أنت انتهيت.. , مات من فيك كان يخاف الألم، وانكشف من فيك كان يحب الله أكثر مما يكره وجعه.”

صمت ياسر طويلاً… ؛ ثم همس: “أخبرني يا باسل … هل ضعفت يوماً عن الذكر؟”

قال باسل : “نعم.. , في البدء، كان الذكر ثقيلاً كالجبال.. , لكني صرت أذكره لا لأطير، بل لأني لا أستطيع إلا أن أذكره.. , ثم صار الذكر تنفسي.. ؛ هل تسأل الرئة لماذا تتنفس؟!

أنا الان لا أذكر الله لأحصل على شيء… ؛ أنا أذكره لأني بدونه أموت.. , هذا هو السر.. , لا تذكر الله ليطير بك… اذكره لأنك طائر.. ؛ الطائر لا يغني ليحلق، بل يغني لأنه يحلق… ؛ رتب أورادك لا كواجب، بل كشهيق وزفير.. , اضرب بجناحيك في قفصك لا احتجاجاً، بل لأن هذه طبيعتك، لأنك خلقت للسماء.. , حينها، سينسى الألم أنه ألم، ويتحول إلى نشيد.”

عندها، بكى ياسر … ؛ لكنها كانت دموعاً مختلفة.. , لم تكن دموع انكسار، بل دموع انفراج.. ؛ رفع يديه إلى السماء، وأطلقهما دعاء صامتاً، كأن شيئاً في صدره قد انفكّ، وكأن طائره بدأ يحرك جناحيه لا ليكسر القفص، بل ليجرب قوته داخله.

ثم سأل زين ياسر مرة اخرى : “يا باسل ، بقي أن تخبرنا … كيف نثبت على الطائر حتى لا نغفل فيسقط بنا؟”

نظر باسل اليهما ، وقال كلاماً كأنه وصية أخيرة للمجلس: “يا أخوتي ، سأخبركم بسرّ عظيم.. , الطائر الذي في عنقكم ليس مجرد الذكر… بل هو حقيقة ‘أنتم’ عند الله.

إنه الصورة التي خلقتم عليها قبل أن تهبطوا إلى هذا الجسد… ؛ هو عهد الألوهية حين قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فكان جوابكم ‘بلى’.

هذا الطائر هو ذلك ‘ال بلى’ الذي ما زال يرفرف في عنق كل إنسان.. , الذكر هو الصدى الذي يوقظ ذلك الصوت الأول.. , كل ‘لا إله إلا الله’ هي تذكرة للطائر بأن له وطناً.. , البلاء هو غربته وهو يحنّ لذلك الوطن الاول … ؛ و الغفلة هي نسيانه أنه طائر فيظن نفسه قفصاً… ؛ لا تغفلوا… , ليس لأن الغفلة حرام فقط، بل لأنكم إن غفلتم نسيتم أنفسكم.. , الغافل لا يذكر الله لأنه نسي من هو.. , والذاكر لا ينسى الله لأنه تذكر نفسه أولاً.

يا زين، أنت اليوم على ميعاد مع نفسك… ؛ أكسر القفص قليلاً، قد تشعر بالخوف وهول الحرية.. ؛ لكن لا تخف.. ؛ ويا ياسر ، أنت بلسم أخيك، فكن له ظلاً حتى يكتمل ريشه…

ثم أنهى باسل مجلسه قائلاً: “قوموا الآن.. , صلّوا ركعتين لله.. , وفي سجودكم، تخيلوا أن طائركم يفرد جناحيه.. , لا تطلبوا الخروج من البلاء… ؛ بل اطلبوا أن يجعله الله مركباً… ؛ قولوا: ‘اللهم إني أسألك أن تجعل الذكر حياتي، والبلاء رفعة لي، وألا تجعل الدنيا أكبر همي… ؛ أنت الذي ألزمتني طائري في عنقي، فلا تجعلني ممن يضيع طيره في زحام الطين.. , واجعلني يا رب طائراً بك، لا يقع إلا عليك، ولا يحطّ إلا في حماك، ولا ينشد إلا قربك’.”

ثم رفعوا أيديهم جميعًا، وقالوا بصوت واحد: وكان آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، الذي جعل للذكر أجنحةً خفيةً، وللبلاء معاني جلية، وللقرب منازلَ سامية، لا يبلغها إلا من سلك دروب الذكر على جناح الصبر، في ظلمات البلاء ونور القرب.

اترك رد