منبر العراق الحر :لم يعد السؤال في العراق اليوم هو: هل تستطيع الحكومة حصر السلاح بيد الدولة؟ السؤال الأكثر قسوة هو: هل تستطيع الحكومة أن تجعل قرار الدولة أقوى من قرار السلاح؟
هذه هي المعادلة الحقيقية التي تتشكل في صيف 2026، مع اقتراب بغداد من المهلة المعلنة في 30 سبتمبر، وفي ظل تحرك القوى الداخلية والخارجية لإعادة رسم العلاقة بين الحكومة والفصائل المسلحة، وبين العراق وإيران، وبين بغداد وواشنطن.
زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد، التي كشفت عنها تقارير إعلامية في 11 أغسطس، جاءت في توقيت شديد الحساسية، مع اقتراب موعد حسم ملف السلاح. وبحسب ما أوردته تقارير صحفية، حملت الزيارة رسائل إلى الفصائل والقيادات السياسية بشأن تجنب الصدام مع الحكومة، مع الإبقاء على السلاح الاستراتيجي وعدم الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية العراقية.
وهنا تكمن المفارقة: لا صدام، ولا تسليم. معادلة قد تبدو حلاً مؤقتاً، لكنها في جوهرها تعني إبقاء المشكلة معلقة، وإبقاء العراق في المنطقة الرمادية بين الدولة واللادولة.
الدستور العراقي لا يترك هذه المسألة غامضة. فالمادة التاسعة تؤكد خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية، وتحظر تشكيل ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. لذلك فإن حصر السلاح ليس مشروعاً سياسياً جديداً ولا مطلباً أميركياً طارئاً، بل هو قبل كل شيء استحقاق دستوري عراقي.
غير أن العراق عاش طويلاً مع ازدواجية القوة: حكومة تملك المؤسسات والميزانية والاعتراف الدولي، وقوى مسلحة تمتلك في ظروف معينة القدرة على استخدام القوة خارج القرار الحكومي. وهذه الازدواجية لا تصنع دولة مستقرة، حتى عندما يبدو المشهد هادئاً. فالهدوء الذي يقوم على توازن السلاح ليس استقراراً دائماً، بل هدنة قابلة للانهيار عند أول تغير كبير في موازين القوى.
ومن الخطأ قراءة التحرك الإيراني باعتباره دعوة إلى مواجهة مباشرة بين الفصائل والحكومة. طهران، وفق ما تنقله التقارير عن زيارة قاآني، تبدو أكثر اهتماماً بمنع الانفجار الداخلي من إشعال مواجهة مفتوحة. وهذا مفهوم من زاوية المصالح الإيرانية؛ فإيران لا تحتاج إلى عراق منهار، بل إلى عراق يحتفظ بمساحة من النفوذ تسمح لها بحماية مصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية.
لكن ما قد تراه طهران إدارةً للنفوذ، قد يراه العراقيون استمراراً للتدخل في القرار الوطني. وهنا يجب أن تكون بغداد أكثر وضوحاً: يستطيع العراق أن يحافظ على أفضل علاقاته مع إيران، وأن يفتح أبوابه لجميع جيرانه، لكنه لا يستطيع أن يقبل بأن تصبح الحدود بين الصديق والتابع غير واضحة. السيادة ليست موقفاً ضد إيران، كما أنها ليست موقفاً مع الولايات المتحدة. السيادة ببساطة تعني أن العراق يقرر للعراق.
وربما يكون التطور الأكثر أهمية في أزمة السلاح هو ظهور مساحة من المرونة داخل بعض القوى المسلحة. فقد برزت مواقف تدفع باتجاه إنهاء النشاط العسكري المستقل أو دمجه ضمن الأطر الرسمية، في مقابل فصائل أخرى ما زالت تتمسك بالسلاح وتربط التخلي عنه بقضايا أكبر، من بينها الوجود الأميركي. وهذا يعني أن الفصائل لم تعد بالضرورة كتلة سياسية وأمنية واحدة، وهنا تظهر فرصة الحكومة.
الحكومة لا تحتاج بالضرورة إلى التعامل مع الجميع بالطريقة نفسها، ولا إلى تحويل القضية إلى معركة صفرية تبدأ بـ«التسليم الكامل» وتنتهي إما بالنصر أو الحرب. هناك طريق آخر أكثر ذكاءً: تفكيك ازدواجية القوة تدريجياً عبر القانون والسياسة والاحتواء والدمج، مع احتفاظ الحكومة بحق استخدام القوة عندما يصبح استخدامها ضرورياً. فالحكومة القوية ليست التي تطلق النار أولاً، بل التي تجعل الجميع يعرف أن القانون في النهاية أقوى من السلاح.
لكن هناك لاعباً ثالثاً في هذه المعادلة: واشنطن.
في الوقت الذي ينشغل فيه العراق بسؤال السلاح، تتغير طبيعة العلاقة الأميركية العراقية. الولايات المتحدة تتحرك باتجاه تقليص وجودها العسكري، ضمن مسار بدأ باتفاقات لنقل المسؤولية الأمنية إلى بغداد، مع استمرار أشكال من التعاون الأمني. غير أن تراجع الحضور العسكري لا يعني بالضرورة تراجع النفوذ الأميركي. فقد تنتقل أدوات التأثير من القواعد والجنود إلى المصارف والاستثمارات والعقوبات والنظام المالي الدولي.
وهنا تحديداً يجب على بغداد أن تقرأ المشهد بصورة مختلفة. العراق ليس اقتصاداً معزولاً عن النظام المالي العالمي، ولا يستطيع تجاهل موقع الدولار، ولا طبيعة علاقاته مع المؤسسات المصرفية الدولية، ولا تأثير العقوبات الأميركية على الأفراد والشركات والكيانات.
العقوبات ليست مجرد بيانات سياسية. عندما تستهدف الولايات المتحدة قادة أو كيانات مرتبطة بفصائل مسلحة أو شبكات تمويل، فإن آثارها يمكن أن تمتد إلى تجميد الأصول، وتقييد التعاملات، ورفع مخاطر الشركات والمصارف، وتعقيد حركة الأموال، وتحويل الشخص أو الكيان المستهدف إلى طرف عالي المخاطر في النظام المالي الدولي. والأخطر أن دائرة الضغط يمكن أن تنتقل من الأفراد إلى الشبكات الاقتصادية التي تتحرك من خلالها الأموال.
وهنا يظهر أحد أكثر الأسلحة تأثيراً في هذه المعادلة: الدولار.
السلاح التقليدي يمكن رؤيته، أما الدولار فلا يُرى، لكن تأثيره قد يكون أوسع. وقد شهد العراق خلال العام الحالي ضغوطاً مرتبطة بحركة العملة الأميركية والإجراءات المالية التي تستهدف الحد من وصول الأموال إلى جهات خاضعة للعقوبات، قبل حدوث انفراج جزئي مع استئناف بعض الشحنات والإجراءات العراقية الرامية إلى تشديد الرقابة على حركة الأموال.
هذه التطورات تكشف طبيعة الضغط الأميركي الجديدة. واشنطن ليست بحاجة إلى القول للعراق: «سأحتل بلدك حتى تسلم السلاح». يكفي أن تقول: إذا أردت أن تكون جزءاً من الاقتصاد العالمي، فعليك أن تلتزم بقواعده. وهذه القواعد تشمل المصارف والتحويلات ومكافحة غسل الأموال وملاحقة شبكات التمويل ومنع وصول الأموال إلى الجهات الخاضعة للعقوبات.
وبذلك يمكن أن يتحول السلاح خارج سلطة الحكومة تدريجياً من قضية أمنية إلى كلفة اقتصادية. وهذه الكلفة لن يدفعها المسلح وحده؛ فقد تصل إلى المصرف والشركة والمستثمر والتجارة وسعر الصرف وثقة الأسواق.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل يستطيع العراق تحمل أزمة مالية جديدة في الوقت الذي يحتاج فيه إلى الاستثمار، وإعادة بناء بنيته التحتية، وتوفير فرص العمل، وتنويع اقتصاده بعيداً عن النفط؟
العقوبات ليست حرباً، لكنها قد تكون أكثر قساوة من الحرب في بعض الحالات، لأنها لا تنتهي بالضرورة بانتهاء المواجهة السياسية. وقد تتحول إلى نظام طويل الأمد يضغط على الاقتصاد والشبكات المالية. وهذا ما يجب أن تفهمه القوى التي تتعامل مع ملف السلاح باعتباره معركة كرامة أو تحدياً سياسياً مع واشنطن.
العالم الجديد لا يقيس قوة الحكومة بعدد الصواريخ التي تمتلكها القوى المسلحة، بل بقدرة البلد على حماية اقتصاده، وتأمين استثماراته، والحفاظ على عملته، وجذب الشركات، وفتح الأسواق أمام مواطنيه. العراق يحتاج إلى الكهرباء والماء والطرق والمستشفيات والمصانع والمصارف والاستثمار الأجنبي، ولا يحتاج إلى أن يتحول إلى ساحة إضافية للصراع الأميركي الإيراني.
لذلك فإن تحويل العراق إلى منصة صراع بين واشنطن وطهران سيكون خسارة للعراق أولاً، بصرف النظر عن الطرف الذي يعتقد أنه انتصر.
ومن هنا أيضاً يجب الابتعاد عن القراءة التقليدية للانسحاب الأميركي. تراجع الوجود العسكري لا يعني بالضرورة انسحاباً أميركياً من العراق، بل قد يعني انتقال النفوذ إلى أدوات أخرى أكثر هدوءاً وأقل كلفة وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي. فبدلاً من الجندي، يصبح المصرف والشركة والاستثمار والعقوبة والأداة المالية جزءاً من أدوات التأثير.
واشنطن تريد عراقاً يمكن التعامل معه باعتباره حكومة واحدة، لا شبكة من مراكز القوة المتوازية. الشركات لا تستثمر بثقة في بلد لا تعرف من يملك القرار الأمني فيه، والبنوك لا تحب بيئة يمكن أن تتغير فيها المخاطر بقرار من جماعة مسلحة، والاستثمار الأجنبي يبحث عن القانون قبل أن يبحث عن الأرباح.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى بغداد بوضوح: حصر السلاح ليس فقط استجابة لمطلب أمني، بل جزء من شروط بناء اقتصاد طبيعي ودولة قادرة على جذب الاستثمار وحماية مصالح مواطنيها.
وعندما يُطرح سؤال السلاح في العراق، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من يمتلكه؟ بل: من يقرر استخدامه؟
هذا هو جوهر القضية.
فالقوى الكوردية والسنية، ومعها قطاعات واسعة من المجتمع العراقي، تنظر إلى السلاح المنفلت باعتباره تهديداً لمفهوم الحكومة وللاستثمار وللعلاقات الخارجية. وإذا كان المستثمر لا يعرف أي جهة تستطيع حماية عقده، وإذا كانت الشركات الأجنبية لا تعرف من يملك قرار الأمن، وإذا كان القرار السياسي يمكن أن يتأثر بقوة السلاح، فإن المشكلة لا تعود أمنية فقط، بل تصبح مشكلة في مستقبل العراق الاقتصادي والسياسي.
أما 30 سبتمبر، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره موعداً حتمياً للحرب. قد يكون موعداً لتسوية، أو بداية مرحلة تفاوض جديدة، أو نقطة انطلاق لإجراءات قانونية تدريجية، وقد يكون، إذا فشلت السياسة، بداية أزمة أكبر. لكن الخيار العراقي ليس محصوراً بين الاستسلام والسلاح. هناك مساحة واسعة بينهما اسمها الحكومة.
حكومة الزيدي تستطيع أن تفاوض، وأن تمنح الوقت، وأن تدمج، وأن تنظم، وأن تضع الشروط. لكنها في النهاية يجب أن تمتلك القدرة على تنفيذ القانون. وإلا فإن أي موعد زمني سيتحول إلى مجرد ورقة سياسية جديدة.
الحكومة العراقية أمام اختبار بالغ الصعوبة. إذا تراجعت أمام ضغط السلاح، ستخسر جزءاً من هيبتها. وإذا ذهبت إلى مواجهة عسكرية شاملة من دون حسابات دقيقة، فقد تدفع البلاد إلى الفوضى. أما الخيار الأصعب فهو أن تنجح في بناء تسوية تنتصر فيها الحكومة من دون أن يتحول العراق إلى ساحة حرب داخلية.
وهذا يتطلب شجاعة سياسية أكثر من الشجاعة العسكرية.
على الحكومة أن تقول للفصائل بوضوح: السلاح الذي يدخل المؤسسة الرسمية يصبح جزءاً من الدولة، أما السلاح الذي يحتفظ بقرار مستقل فلا يمكن أن يكون فوق القانون. وفي الوقت نفسه عليها أن تقول لواشنطن إن العراق دولة ذات سيادة ولن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات مع إيران، وأن تقول لطهران إن العراق يريد علاقات طبيعية ومتوازنة مع جاره، لكنه لن يقبل أن تكون أراضيه امتداداً لأي استراتيجية إقليمية.
هذه هي السياسة التي يحتاجها العراق، لا سياسة المحاور.
ربما تكون أزمة السلاح في صيف 2026 واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ سنوات، ليس لأن السلاح جديد على المشهد العراقي، بل لأن البيئة المحيطة به تغيرت. إيران تعيد حساباتها، والولايات المتحدة تعيد تعريف وجودها، والضغوط المالية تتزايد، والاقتصاد العراقي يحتاج إلى الانفتاح، والعراق نفسه يريد أن ينتقل من بلد يعيش على إدارة الأزمات إلى بلد يبني مؤسساته.
لهذا فإن معركة سبتمبر ليست معركة بين الحكومة والفصائل فقط. إنها مواجهة بين نموذجين للعراق: عراق تتعدد فيه مراكز القوة والقرار، وعراق يكون فيه قرار الحرب والسلم والمال والعلاقات الخارجية بيد مؤسسات الحكومة.
قد تستطيع الفصائل الاحتفاظ بالسلاح لبعض الوقت، وقد تستطيع الحكومة تأجيل المواجهة لبعض الوقت، وقد تستطيع إيران شراء الوقت، وقد تستطيع واشنطن استخدام أدوات الضغط المالي والسياسي. لكن لا أحد يستطيع شراء المستقبل.
المستقبل يحتاج حكومة قوية ومؤسسات قادرة، ولا يمكن أن يكون العراق نصف دولة. فإما أن يكون السلاح تحت قرارها، أو أن يبقى القرار نفسه منقسماً.
وهنا تحديداً يصبح 30 سبتمبر أقل أهمية من السؤال الذي سيبقى بعده:
من يحكم العراق فعلاً: الحكومة أم موازين السلاح؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر