منبر العراق الحر :
كانت رؤية الناعور تستوقفني منذ أن كنت طفلًا. كنت أنظر إلى ذلك الحيوان الذي يدور حول الجهاز الخشبي وهو يجرّه بخطوات متواصلة، دورةً بعد أخرى، من غير أن يعرف إلى أين ينتهي الطريق؛ لأنه في الحقيقة لا يوجد طريق ينتهي. هناك دائرة فقط. كان يرفع الماء من البئر أو من النهر المنخفض، ثم يصعد به إلى مكان مرتفع، حيث يروي الأرض ويسقي الزرع .
وكان المشهد يبدو في ظاهره بسيطًا:
حيوان يمشي، وناعور يدور، وماء يصعد، وزرع ينمو. لكنني كنت أشعر أن وراء هذا المشهد سؤالًا أكبر.
ما الذي يحصل عليه ذلك الحيوان من كل هذا العناء؟
يمشي ساعات طويلة، وربما يقضي حياته كلها في الدوران نفسه. يبذل قوته لكي يصعد الماء، ويمنح الأرض قدرتها على الإثمار، بينما لا ينال في النهاية إلا طعامه؛ ما يكفيه لكي يبقى حيًا وقادرًا على مواصلة العمل. كان يؤلمني أن أرى كائنًا يبذل حياته كلها في خدمة غاية ليست له، وأن تكون مكافأته الوحيدة هي القدرة على الاستمرار في العطاء . ومع مرور السنوات، تغيّر معنى الناعور في ذهني.
لم أعد أراه مجرد آلة قديمة للري، ولا مجرد حيوان يدور حوله، بل رأيت فيه صورة يمكن أن تشبه الإنسان أيضًا. فالإنسان قد يعمل طوال حياته، ويبني، ويزرع، وينتج، ويدفع، وينتظر، ثم يكتشف في نهاية الطريق أنه لم يكن يتحرك إلى الأمام، بل كان يدور في دائرة.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
ما الفرق بين أن يتحرك الإنسان، وأن يتقدم؟
فالحركة وحدها لا تعني التقدم. قد تمشي كثيرًا، وتبقى في المكان نفسه. وقد تعمل طوال حياتك، ولا تملك من ثمرة عملك إلا ما يبقيك قادرًا على العمل في اليوم التالي . ولهذا، كلما نظرت إلى حال بلادي، تذكرت ذلك الناعور. وأحيانًا أشعر أن حال شعوبنا أصبح يشبه حال ذلك الحيوان الذي يدير الناعور؛ يعمل ويصبر ويدفع كي يستمر الناعور في الدوران، ثم تأتي حكومة أخرى، وشعارات ووعود أخرى، لكنه يجد نفسه في المكان ذاته .
تتغير الوجوه، وتتبدل الحكومات، وتتغير الكلمات، لكن السؤال يبقى:
هل تغيّر الماء الذي نرفعه، أم أننا ما زلنا ندير الناعور نفسه؟
ليس بالضرورة أن يكون الإنسان هو المستفيد الأول من الجهد الذي يبذله . وقد تتحول الدولة، في أسوأ صورها، من وسيلة لخدمته إلى منظومة يعيش فيها من أجل استمرارها؛ يصبح المواطن هو الذي ينتج، ويدفع، ويصبر، بينما تتوزع ثمار جهده بعيدًا عنه.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
الحيوان في الناعور لا يعرف أنه يدور في دائرة، أما الإنسان فيستطيع أن يعرف. وهذه المعرفة هي الفارق. فالإنسان لا يُقاس فقط بقدرته على العمل والتحمل، بل بقدرته على أن يسأل:
لماذا أعمل؟ ولمن؟ وإلى أين يقودني هذا الطريق؟ ومن يملك ثمرة ما أصنع؟
لأن أخطر أشكال الاستغلال ليس أن تُجبر على العمل، بل أن تُقنع بأن الدوران هو الطريق، وأن استمرارك فيه هو معنى حياتك. وربما لهذا السبب ظل مشهد الناعور عالقًا في ذاكرتي منذ الطفولة. لأنني كنت أرى حيوانًا يدور. واليوم، عندما أنظر إلى المجتمع، أسأل نفسي:
هل كبر الناعور، أم أننا أصبحنا نحن حيوانه؟
وربما يكون السؤال الأعمق من ذلك كله:
إذا كان الماء يصل إلى الزرع، فمن الذي يملك الأرض؟
ومن الذي يملك الماء؟
ومن الذي يقرر إلى أين يدور الناعور؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر