الشاعر الحقيقي وذاكرة الوطن….عبد الكريم السعيد

منبر العراق الحر :

الشاعر الحقيقي ليس من يكتب الشعر فحسب، بل من تختزن روحه شيئًا من تاريخ مجتمعه وبيئته وذاكرة وطنه العميقة. وقد لا يشعر بذلك، ولا يقصده قصدًا واعيًا، غير أن لا وعيه مختلف عن سواه؛ يلتقط ما قد لا يلتقطه الآخرون، ويختزن ملامح المكان، ووجع الإنسان، وأصداء الزمن.
كلمات الشاعر دموعُ روحه، وقصائده غيومُ حزنٍ تتشكّل في سماء وجدانه. وحين يتحول ذلك المخزون العميق إلى شعر، يشم المتلقي رائحة التاريخ تنبعث من حروف القصيدة، وكأن الماضي لم يغب، وإنما اختبأ بين الكلمات.
وقد يظن البعض أن القصائد المغنّاة غايتها الطرب، وهذا الظن ليس دقيقًا دائمًا؛ فالموسيقى حين تتآلف مع الكلمة تكشف عمقها، وتستخرج ما تختزنه من ذاكرة ووجدان، ثم تأخذ المتلقي إلى أعماق نفسه؛ إلى زمن عميق ومكان عميق، فترسم صورتهما أمام ذهنه، وتوقظ وجوهًا وأصواتًا ومشاعر ظن أنها غابت إلى الأبد.
لذلك قد ينصرف المتلقي عن محيطه، فلا ينتبه لما حوله، فيحسبه البعض طربًا واستغراقًا في الموسيقى، بينما هو في الحقيقة سفرٌ بعيد في عالم الذكريات؛ تستعيد فيه النفس زمنًا غابرًا، وتعود إلى مكانٍ عزيز، فتراه أمامها كأنه لم يغادرها يومًا.
وهنا يتجلّى اللاوعي بوضوح؛ إذ لا تستجيب النفس للقصيدة بما يقوله الوعي وحده، بل بما تختزنه في أعماقها من تجارب وصور وانفعالات. وتصبح الموسيقى جسرًا بين الكلمة والذاكرة، فتوقظ ما خمد في الداخل، وتمنح الكلمة قدرةً أعمق على الرسوخ في الوجدان.
فالقصيدة المغنّاة لا تُطرب الإنسان فحسب؛ إنها تأخذه في سفر بعيد إلى ذاكرته، فيغيب عن زمنه الراهن ليعيش زمنًا آخر، ويغادر مكانه الحاضر ليعود إلى مكانٍ ما يزال حيًّا في أعماقه.

عبد الكريم السعيد

اترك رد