منبر العراق الحر :يؤدِّي بعضُ «رجال الدين» أدوارًا مِن شأنها أن تُكرِّسَ الفقرَ وتُشَرْعِنه، وتَرفع المسؤوليةَ عن كاهل بعضهم، وتبرِّر للأوضاع القائمة، محاولين بذلك إقناع الذين يتبعونهم بأن الفقرَ والغنى قضاءٌ وقدرٌ -بمعناهما الجبري-، يجبُ التسليمُ له والرضا به، وإلا يُعَد الشخصُ ساخطًا على الله، رافضًا لقضائه.
ومن أشهر النظريات العجيبة التي خرجَ بها أحدُ رجال الدين، تلك النظرية التي ابتكرها، وأصبحت تترددُ على الألسنةِ بكثرة، هذه النظرية تتمثل في: أن كل إنسانٍ له 24 قيراطًا من الرزق، ويختلفُ توزيعها من شخصٍ إلى آخَر، بمعنى أن رزق شخص ما 24 قيراطّا، ويكون تقسيمهم مختلفًا باختلاف الأشخاص.
فمثلًا: شخصٌ ما، له 24 قيراطًا، وآخَر له نفس نصيبه 24 قيراطًا، وكل الناس على هذا المنوال، ولكنهم يختلفون في توزيع هذه الأرزاق، فهناك شخص يأخذها في الصحة والأولاد، وآخَر يأخذها المال والجمال، وثالث يأخذها في السُلْطة، وهكذا فلا يوجد بهذه الطريقةِ تفاوت بين الناس، فكلٌّ أخذَ نصيبَه بشكل معين.
ولا يخفى ما في هذه النظرةِ من تبريرٍ لأوضاعِ الفقراءِ، وشَرْعنة للفقر، فطالما أن النظريةَ تقول إن كل إنسانٍ أخذَ نصيبه بطريقة أو بأخرى، فينتهي حينئذ أي اعتراض أو مطالبة بأية حقوق، ولا يمكن حينها أن يتحدثَ أحدهم في وجود ظلمٍ اجتماعي، كما ينتهي طموحُ الفردِ فورًا مع هذه النظريةِ؛ فلو كنت فقيرًا فأنت أخذتَ نصيبك كاملًا من الصحة والأولاد، فعلامَ السعي؟ ولو كنت غنيًّا ومريضًا، فلا مجال للتخلص من المرض، لأنه جزءٌ وركن رئيس من تقسيمة الأرزاق! وأي تغييرٍ في فقرك؛ سيعني بالضرورةِ أن يتم سحْبُ إحدى المميزات والأرزاق الأخرى منك، حتى تتم المحافظةُ على نظام الـ 24 قيراطًا، التي لا يمكن أن تتعداها! فكأن المالَ والأولادَ وراحةَ البالِ والسعادة لا يجتمعون مثلًا في هذه النظرية!
ولسنا في حاجةٍ إلى عناءٍ شديد لبيان تهافتِ وسَخَفِ وسذاجةِ تلك النظريةِ، ومحاولتها لتبريرِ الواقعِ الاجتماعيِّ البائس، ورفْع المساءلة عن بعضهم، فيكفي أن تنظرَ في عشراتِ بل ومئات الأمثلةِ من حولك؛ لتنْقُضَ هذه النظريةَ المتهافتةَ في نظرتها إلى الأرزاق، لأن مقتضاها أن الفقيرَ دائمًا تصاحبُه راحةُ البالِ والصحةُ والسعادة، والغني تُنْزَعُ منه هذه الراحةُ وتلك السعادة، ولكن ماذا لو أتينا لصاحبِ هذه النظريةِ بعشرات الأمثلةِ، يكون فيها الشخصُ غنيًّا، ومرتاح البال، ومعه أولاد، وصحته جيدة، وفي سعادة غامرة؟ ألا توجَد هذه الأمثلة في الواقع؟ وماذا يكون رد صاحبِ النظريةِ على هذا الخَرْقِ لنظريتِه؟
وعلى النقيض: ماذا عن مئات وآلاف الحالات التي نشاهدها بأم أعيننا كل يومٍ، من وجود الفقراء الذين يصاحبهم المرضُ ولا يجدون علاجًا؟ ماذا عن عشراتِ المستشفياتِ العامةِ التي تكتظُّ بالفقراءِ والمعدومين، الذين أثقلتهم الأمراضُ، وقَضَّ مضجعَهم القلقُ والخوفُ من تدبيرِ وتوفيرِ قوتِ أولادِهم أو أنفسهم وأسَرِهم؟ أين السعادةُ وراحة البال التي وعدهم بها صاحبُ نظرية الـ 24 قيراطًا؟ إننا نجدُ أن نقيضَ كلامِه يتحققُ في الواقع؛ فالفقيرُ غالبًا هو المُثقَلُ بالهمومِ التي لا تفارقُه، وإلا لَمَا كان النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، استعاذَ من الفقرِ وغلبةِ الدين وقهْر الرجال!
إنها نظريةٌ كأنها صُنِعَتْ بعنايةٍ لتخديرِ الناسِ والفقراءِ، وتكميم أفواههم، وإرهابهم بعدم الاعتراضِ على نصيبهم من الرزق، فلْيرضوا أن يبقوا في طبقةِ المعذَّبين في الأرضِ، فصاحبُ النظرية حسمها لهم وأخبرهم أنهم أخذوا رزقهم كاملًا، مثلهم مثل أغنى الأغنياء: 24 قيراطًا بالتمام والكمال، فانتهى بذلك أيُّ كلامٍ ونقاشٍ وطموح، ورَحِمَ ربي صاحبَ هذه النظريةِ، الذي جَمَعَ بين المالِ والأولادِ والشهرةِ والمناصبِ والسعادة، بينما راح يقنعُ غيرَه بأوضاعهم البائسة، ويرفعُ عن كاهلِ الظالمين كل مسؤوليةٍ وإحساسٍ بالظلمِ، ويطمئنهم أن يناموا قَرِيري العين؛ فإنهم لم يفعلوا شيئًا يستحقُّ تأنيب ضميرِهم، فالأرزاقُ مُقسَّمةٌ بالنظام البارع 24 قيراطًا، ولا مجالَ لأي حديثٍ آخَر.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر