منبر العراق الحر :
قِيلَ إنَّ مدينةً كانت لها دارٌ كبيرة؛ لها بابٌ ودستورٌ ومفاتيح. وكان أهلُها قد اختاروا رجلًا، ووضعوا المفتاح في يده، وقالوا له:
أنتَ مُؤْتَمَنٌ على الدَّار؛ فلا يُفْتَحُ بابُها ولا يُغْلَقُ إلَّا باسمِ أهلِها.
وعند أحد أبواب الدار وقف رجلٌ مُسَلَّح.
لم يُعْطِهِ أهلُ الدار مفتاحًا، ولم يُفَوِّضوه أمرًا؛ لكنه، مع مرور الزمن، نَصَّبَ نَفْسَهُ حَارِسًا عليها، وكان بعضٌ من أهلها قد قَبِلوا له بذلك.
ومضى الزمن…
وكثرت الأخطار، وقويت البندقية، حتى التبس الأمر على بعض الناس:
أَوُجِدَ السِّلاحُ لِيَحْمِيَ الدَّار… أم أصبحت الدَّارُ مطالبةً بأن تنالَ رِضا السِّلاح؟
وذات صباح، استُدعي الرجلُ المسلَّح ليُسأل عن سلاحه.
فلم يأتِ.
وأرسل بدلًا منه ورقةً يقول فيها:
قبل أن تسألوني عن السِّلاح… لديَّ شروط.
يُفتح هذا الباب.
ويُغلق ذاك.
ويُخرج هؤلاء.
ويُمنع أولئك.
ويُغيَّر ما لا يعجبني.
ثم التفت، من وراء الورقة، إلى صاحب المفتاح وقال:
وإذا لم تفعل… فلا تَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَكَ.
قرأ صاحبُ المفتاح الورقة طويلًا.
ثم وضعها أمام أهل المدينة…
ولم يقل شيئًا.
وكان بين الواقفين طفلٌ لم يفهم شيئًا من لغة القوة ولا شروطها، فسأل ببراءة:
يا عَمّ… مَن نَصَّبَ هذا حَارِسًا؟ ومَن صَاحِبُ البَيْت؟
ساد الصمت.
فالسؤال كان أبسطَ من أن يحتاج إلى فيلسوف…
وأثقلَ من أن تستطيع بُنْدُقِيَّةٌ الإجابةَ عنه.
مِنَ القِصَّة
حين يُنَصِّبُ صاحبُ السلاح نفسه حارسًا على الدولة، ثم يشترط عليها قبل أن يسمح لها حتى بالسؤال عن سلاحه، لا يعود السؤال:
مَن يحمل السلاح؟
بل:
مَن يحمل الدولة؟
وحين يُهَدَّدُ صاحبُ القرار لأنه لم يُرْضِ مَن نَصَّبَ نفسه فوق القرار، تكون المسألة قد تجاوزت السلاح؛ لأن ادعاء الحراسة يكون قد تحوَّل إلى ادعاء الوصاية.
والسيادة لا تحتاج إلى مَن يُنَصِّبُ نفسه حارسًا عليها من خارجها؛ فالحارس في الدولة لا يختار نفسه، ولا يمنح نفسه شرعيته، ولا يكتب شروطه لصاحب البيت.
فالفرق ليس صغيرًا بين سلاحٍ تَسْتَأْمِنُهُ الدولةُ على حمايتها، وسلاحٍ يستأمنُ الدولةَ على تنفيذ شروطه.
الأول يحرس الباب…
والثاني يريد أن يمتلك المفتاح.
ولهذا يبقى سؤال الطفل، بعد أن تسقط كل الكلمات الكبيرة:
«مَن نَصَّبَ هذا حَارِسًا؟… ومَن صَاحِبُ البَيْت؟»
فالردُّ الأقسى على استعراض القوة ليس دائمًا قوةً أكبر…
بل قد يكون سؤالًا صغيرًا يعيد البندقيةَ إلى حجمها… والدولةَ إلى معناها.
18 آب / أغسطس 2026
منبر العراق الحر منبر العراق الحر