مواطن تحت الصفر.. وتتدلل الحكومة! حيدر حسين سويري

منبر العراق الحر :
نحن شعب الله المختار في الصبر، وأرقى عينة بشرية تمشي على هذه الأرض! شعب فاهم، واعي، حباب، ومدرك تماماً لحقيقة الحياة.. شعب لا يُقارن ببقية شعوب العالم الساذجة التي تتوقع خدمات مقابل أموالها. نحن ندفع للكهرباء، وندفع للماء، وندفع للخدمات الصحية والبلدية، وفوق كل هذا نبتسم ونقول: “تتدلل الحكومة، وإحنا الممنونين!”
رحلتنا مع العطاء تبدأ من اللحظة التي يقرر فيها ابنك يدرس. لكي يدخل الكلية، يتوجب عليه إثبات أنه خالٍ من الأمراض، ولهذا الإثبات الميمون تدفع رسوماً في المستوصف الحكومي. وعندما يتخرج بتفوق، ولكي يحصل على وثيقة “تأييد تخرج” يثبت بها أنه أضاع سنوات عمره، تدفع أيضاً رسوماً للحكومة!
أما عن العقار والملكية، فقصتنا معها ترتقي للمثالية:
شراء الأرض: تجمع قرشك الأبيض ليومك الأسود وتشتري أرضاً؟ تدفع ضريبة للحكومة لأنك تجرأت واشتريت.
إجازة البناء: تريد تبني خيمة أو بيتاً ستر لأهلك؟ تشتري “إجازة بناء” بفلوسك من الحكومة.
بيع البيت: ضاقت بك الدنيا وقررت تبيع؟ تدفع ضريبة بيع للحكومة.
الميراث: وإذا مات الوالد وترك لكم بيتًا متهالكاً “خرابة”، تكتشف فجأة أن الحكومة أصبحت الوريث الشرعي الأول والأهم مع العائلة!
وحتى حركة المراكب والأنفس لم تسلم من هذا الكرم:
السيارة والسياقة: تشتري سيارة بمالك، تدفع للحكومة لتسجيلها. تتعلم السياقة، فتدفع للحكومة مقابل الفحص، والامتحان، وإصدار الإجازة.
الزواج والسفر: قررت تفتح بيتاً وتتزوج؟ تدفع رسوم العقد. ضاقت بك وأردت الهروب والسفر؟ تدفع جباية إخراج جواز السفر.
التعليم والوظيفة: ولأن التعليم الحكومي بمستوى “رفيع جداً”، تأخذ ولدك لتدرّسه بفلوسك الخاصة عند نفس معلّمي الحكومة! وإذا أردت أن تتعين، تشتري الوظيفة شراءً، وما إن يستلم راتبك حتى تستقطع منه ضريبة دخل للوطن!
وحين تدق طبول الحرب، نرسل أولادنا للخطوط الأمامية ليموتوا وفداءً للوطن، وعندما يأتي أضخم مؤتمر ديني ندفعه من جيوبنا أيضاً للحج!
وحين تأتي لحظة الفرج الأبدي، ونلفظ أنفاسنا الأخيرة لنخلص من هذه الحياة الزفرة، نكتشف أننا لكي ننزل القبر وننطمر، يجب أن نشتري “شبرين” بفلوسنا من أرض الحكومة حتى نُدفن فيها!
بقي شيء…
مع كل هذا.. لا نفتح فمنا، ولا نسأل: “أين تذهب أوراقنا النقدية يا حكومة؟” أو “أين الخدمات مقابل كل هذه الرسوم والضرائب؟” لا أبداً! تتدلل الحكومة علينا.. ألسنا نحن أحفاد أولئك الذين ساروا خلف الهودج ولا يميّزون بين الناقة والجمل؟!

اترك رد