841,577,0,0.5757894736842105,-1

سلطة التلقي ومحنة المبدع…عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :
شهد النقد الأدبي الحديث تحولًا في نظرته إلى الأدب؛ فبعد أن كان الاهتمام ينصرف إلى الكاتب بوصفه صاحب التجربة وصانع النص، اتجه جانب من النقد إلى إبراز دور القارئ في فهم العمل وتأويله وإنتاج دلالاته. وقد أعاد هذا التحول الاعتبار إلى فعل القراءة، لكنه أثار في المقابل سؤالًا عن موقع المبدع وحدود سلطة التلقي.
فالعمل الأدبي ثمرة تجربة فكرية أو إنسانية أو جمالية يعيشها الكاتب، ثم يعيد تشكيلها في لغة تمنحها وجودًا فنيًا. والمبدع لا يجمع الكلمات، بل يبني رؤية وعالمًا واختيارات جمالية تمنح النص خصوصيته. لذلك لا يمكن اختزال العمل في نية مؤلفه، كما لا يصح إلغاء المبدع بمجرد انتقال النص إلى فضاء القراءة.
غير أن التلقي لا يبدأ بالضرورة بعد اكتمال النص؛ فقد يحضر في وعي المبدع أثناء الكتابة، بوصفه قارئًا متخيّلًا يراقب النص من الداخل. ومع اتساع الجمهور وتضخم الفضاء الرقمي، أصبح الكاتب أكثر وعيًا بما يمكن أن يُفهم أو يُرفض أو يحظى بالانتشار، وقد يتحول هذا الوعي إلى رقابة ذاتية تؤثر في اختياراته، وتدفعه أحيانًا إلى مراعاة الذائقة السائدة على حساب المغامرة والتجريب.
وهنا تتجلى محنة المبدع: أن يحافظ على حريته في التعبير، من دون أن يتحول انتظار القبول إلى قيد على الكتابة. فالأعمال التي تكسر أفق التوقع قد تواجه الرفض في بدايتها، لا لأنها تفتقر إلى القيمة، وإنما لأنها تقترح على المتلقي طريقة أخرى في النظر والفهم.
ولا تكمن المشكلة في تعدد القراءات؛ فالنص يفتح إمكاناته من خلال التلقي، والقارئ يشارك في اكتشاف دلالاته. غير أن هذه الشراكة لا تعني إطلاق التأويل بلا حدود؛ إذ يظل النص، بلغته وبنيته وقرائنه، المجال الذي تتحرك داخله القراءة. وفي المقابل، لا يملك المبدع بعد نشر عمله أن يفرض على الآخرين فهمًا واحدًا له.
لذلك لا ينبغي أن تتحول العلاقة بين المبدع والمتلقي إلى صراع على السلطة. فالأدب يقوم على تفاعل بين مبدع يبتكر، ونص تتجسد فيه اختياراته، وقارئ يعيد اكتشاف إمكاناته.
ويبدأ الخطر حين يصبح أفق التلقي معيارًا سابقًا على الإبداع، فيكتب المبدع ما يُنتظر منه بدل أن يغامر بما يريد قوله. عندها لا يعود القارئ شريكًا في اكتشاف المعنى، بل يتحول حضوره المتوقع إلى قيد على حرية المبدع.
فالإبداع لا يكتمل إلا بالمتلقي، لكنه يفقد مغامرته حين يكتب المبدع وعينُه معلقة دائمًا بما يريد المتلقي أن يراه.

اترك رد