«البُرْدان» لعبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية – سيميائية….سهيل الزهاوي

منبر العراق الحر :

«البُرْدان» لعبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية – سيميائية في الأبعاد النفسية والفلسفية والتناصية من خلال تحليل الأبيات

المقدمة
تنهض قصيدة «البُرْدان» لعبد الستار نورعلي على سؤال فكري وشخصي: كيف يمكن أن يجتمع في ذات واحدة «بُرد الصلاة» و«بُرد ماركس»، مع ما يبدو بين المرجعيتين من اختلاف؟ ولا تحاول القصيدة أن تثبت تطابق الدين والماركسية من الناحية الفلسفية، بل تبحث عن إمكان تلاقيهما داخل تجربة الإنسان؛ حيث يمثل الأول البعد الروحي والأخلاقي، ويمثل الثاني الوعي النقدي والانحياز إلى العدالة الاجتماعية ومقاومة الفقر.
وتعتمد القصيدة بناءً حواريًا يبدأ باعتراض الآخرين، ثم ينتقل إلى جواب الشاعر، قبل أن ينتهي بإعلان موقفه القائم على التناغم بين الفكر والضمير، وبين الروح والعقل. كما يتفاعل النص مع الموروث الشعري والديني والفكري من خلال استحضار أبي العلاء المعرّي، والمأثور العربي المتصل بـ«الأصغرين»، والقول الشائع في ذم الفقر، فضلًا عن الحضور الدلالي لاسم ماركس. ومن خلال تحليل الأبيات تتكشف الأبعاد البنيوية والسيميائية والنفسية والفلسفية والتناصية من غير فصلها عن نسيج القصيدة.
نص القصيدة
البُرْدان
ويقولُ قائِلُهُمْ: وكيفَ تسالَما
بُرْدُ الصَّلاةِ وبُرْدُ ماركسَ وهوَ ما
لم يتفقْ أبداً، وظلَّ مَصارِعاً
حتى الرِّكابِ دماً وفكراً قائما
وبلادُ خَلْقِ اللهِ في دوّامةٍ
والنَّاسُ في حيصٍ وبيصٍ دائما!
فرفعْتُ رأسي والضِّياءُ يضمُّني
فأجابَ عنّي الأصغرانِ كلاهما:
إنْ صحَّ قولُهُمو فما مِنْ مَثْلَبٍ
مادامَ فكرُكَ والضَّميرُ تناغَما
فاللهُ قد خلقَ العقولَ وصاغَها
هو خيرُ مَنْ يهدي وخيرٌ حاكما
حتَّى رهينُ المحبسينِ تراكمَتْ
فيهِ الفؤوسُ ففجَّرَ المتراكِما:
«إنْ صحَّ قولُكما فلسْتُ بخاسرٍ
أو صحَّ قولي فالخَسارُ عليكما»
وبعدَ هذا أقولُ للمندهشين والمندهشاتِ، والمعارضين والمعارضاتِ، والمصدومينَ والمصدوماتِ:
لا يعجبَنْ أحدٌ، فإنِّي أنظُرُ
متأمِّلاً مُتفحِّصاً لا أخسَرُ
دُنيايَ في عينيْ وقلبيْ مُفعَمٌ
بالنُّورِ ينبضُ بالأمانِ ويكبرُ
ما ضرَّ إنْ كانَ الَّذي أسرى بنا
روحٌ، وعقلٌ مُبصِرٌ، ومُفكِّرُ!
هذي الحياةُ: مسيرةٌ وتجدُّدُ
لا شيءَ يبقى والفواصلُ تُصهَرُ
أَوَ لمْ يقلْ ذاكَ النَّقيُّ الطَّاهرُ:
«لو كانَ في الفقرِ الرُّجولةُ يُقبَرُ»
أيلول 2024
العنوان بوصفه مدخلًا إلى القصيدة
جاء العنوان مثنّى: «البُرْدان»، والبُرد هو الثوب أو الرداء. غير أن الشاعر ينقله من معناه الحسي إلى معنى رمزي، فيصبح «بُرد الصلاة» علامة على الإيمان والروح والضمير، ويصبح «بُرد ماركس» علامة على الفكر النقدي والعدالة الاجتماعية. ومن اللافت أن الشاعر يقابل بين الصلاة، وهي ممارسة روحية، وماركس، وهو اسم علم يتحول بالمجاز إلى دال على منظومة فكرية. ويمنح هذا التفاوت بين طرفي المقابلة العنوان توتره، لأن الرداءين لا ينتميان ظاهريًا إلى مستوى واحد، لكن الذات تجمعهما في تجربتها.
ولا يستخدم الشاعر عبارتي «الدين» و«الماركسية» بصورة مباشرة، لأن ذلك كان سيمنح النص طابعًا تقريريًا. أما تحويلهما إلى رداءين فيجعل العلاقة أكثر التصاقًا بالذات؛ فالرداء يُرتدى ويلامس الجسد ويعلن هوية صاحبه. ومن ثم لا يشير البُردان إلى منظومتين خارجيتين فحسب، بل إلى بُعدين يعيشان داخل شخصية واحدة. وتحمل لفظة «البُرد» كذلك دلالات الستر والدفء والحماية؛ فكأن الشاعر يجد في الصلاة طمأنينة روحية، وفي فكر ماركس وعيًا نقديًا يحول دون الاستسلام للظلم والفقر.
ولا تنحصر دلالة العنوان في رمزية «بُرد الصلاة» و«بُرد ماركس»، بل تقوم أيضًا على تناص مباشر مع أبيات أبي العلاء المعرّي التي أرفقها الشاعر بالنص عند نشره. فقد ورد عند المعرّي ذكر تطهير الثوب للصلاة والبكور في «البُردين» طلبًا للرحمة.(1) ويعيد عبد الستار نورعلي إنتاج هذه العلامة التراثية، فينقل البردين من معناهما المتصل بالثوب والطهارة الدينية إلى رداءين رمزيين يمثلان الإيمان والفكر الماركسي. وبذلك لا يقتبس العنوان لفظة تراثية فحسب، بل يحوّل دلالتها ويجعلها أساسًا لحوار معاصر بين الروح والعقل والعدالة الاجتماعية.
البنية العامة للقصيدة
تتكون القصيدة من قسمين مترابطين يفصل بينهما مقطع نثري قصير. يعرض القسم الأول موقف الآخرين من اجتماع الصلاة والفكر الماركسي في تجربة الشاعر، ثم يتدرج نحو تقديم جوابه عن هذا الاعتراض. أما القسم الثاني فينتقل إلى إعلان موقفه الشخصي بصورة أكثر مباشرة، مؤكدًا اعتماده على التأمل والفحص وتمسكه بالتكامل بين البعدين الروحي والعقلي.
وتتحرك القصيدة من صوت الجماعة إلى صوت الذات، ومن عرض التعارض إلى البحث عن إمكان التناغم، ثم تنتهي بربط هذا التناغم برفض الفقر والدفاع عن كرامة الإنسان. ويرافق هذا الانتقال تغير في القافية؛ إذ تقوم قافية القسم الأول على الألف والميم، بينما تقوم قافية القسم الثاني على الراء المضمومة، بما يعزز استقلال كل قسم مع المحافظة على وحدة الموضوع.
تحليل الأبيات
ويقولُ قائِلُهُمْ: وكيفَ تسالَما
بُرْدُ الصَّلاةِ وبُرْدُ ماركسَ وهوَ ما
يفتتح الشاعر القصيدة بصوت الآخرين، لا بصوته. وتدل عبارة «قائلهم» على أن الاعتراض لا يصدر عن فرد محدد، بل يمثل موقفًا اجتماعيًا عامًا يستغرب الجمع بين الصلاة وماركس. أما الاستفهام «وكيف تسالما؟» فينطوي على حكم مسبق يرى العلاقة بينهما قائمة على التناقض.
واختيار الفعل «تسالما» دقيق؛ فهو لا يعني التطابق، وإنما توقف الخصومة وإمكان التعايش. وهنا يظهر منذ البداية أن القضية ليست دمج منظومتين فلسفيتين في منظومة واحدة، بل تفسير الكيفية التي اجتمعتا بها في تجربة الشاعر. ويظل المعنى معلقًا عند عبارة «وهو ما»، فلا يكتمل إلا في البيت التالي، مما يصل البيتين ويشد القارئ إلى متابعة حجة المعترضين.
لم يتفقْ أبداً، وظلَّ مَصارِعاً
حتى الرِّكابِ دماً وفكراً قائما
يواصل البيت عرض رأي المعترضين؛ فالعلاقة بين الدين والماركسية، في نظرهم، لم تكن علاقة اتفاق، بل اتخذت صورة صراع فكري وسياسي. ويجمع الشاعر بين «الدم» و«الفكر» ليشير إلى مستويين من الصراع: مستوى نظري يتصل باختلاف الرؤى إلى الإنسان والعالم، ومستوى تاريخي تحوّل في بعض التجارب إلى اضطهاد وعنف.
وتوحي عبارة «حتى الركاب دمًا» بشدة الصدام واتساع آثاره، حتى كأن الدم بلغ الركاب. أما بقاء الصراع «قائمًا» فيدل على أنه لم ينتهِ، بل ما زال حاضرًا في الوعي الثقافي والسياسي. وهكذا لا يتجاهل الشاعر الاختلاف التاريخي والفلسفي، وإنما يبدأ بالاعتراف به قبل تقديم جوابه.
وبلادُ خَلْقِ اللهِ في دوّامةٍ
والنَّاسُ في حيصٍ وبيصٍ دائما!
ينقل الشاعر النظر من الخلاف العقائدي إلى الواقع الإنساني. فالبلاد في «دوامة»، والناس في «حيص وبيص»، أي في حيرة وشدة واضطراب لا يهتدون معها إلى مخرج. وتعبير «خلق الله» يعيد البشر، على اختلاف أديانهم وأفكارهم، إلى أصل إنساني مشترك، بينما ترمز «الدوامة» إلى عالم يدور في أزماته من غير أن يتجاوزها.
ويكشف البيت أن معيار الأفكار عند الشاعر لا يقتصر على صحة مبادئها المجردة، بل يشمل قدرتها على مواجهة معاناة الإنسان. فبينما يستمر الجدل العقائدي، تظل الشعوب غارقة في الحروب والفقر والضياع. وبذلك يبدأ البعد الاجتماعي في الظهور بوصفه الأرضية التي سيحاول الشاعر أن يجمع فوقها البردين.
فرفعْتُ رأسي والضِّياءُ يضمُّني
فأجابَ عنّي الأصغرانِ كلاهما
ينتقل النص هنا من صوت الجماعة إلى صوت الشاعر. ورفع الرأس حركة نفسية ترمز إلى الثقة بالنفس ورفض الشعور بالخجل من الجمع بين البردين. أما «الضياء» فيوحي بالمعرفة والهداية والصفاء الداخلي؛ ولا يكتفي الشاعر برؤيته، بل يجعله يضمّه، فيتحول النور إلى فضاء من الطمأنينة والاحتضان.
ويشير «الأصغران» في المأثور العربي إلى القلب واللسان؛ فالقلب موضع النية والضمير، واللسان أداة التعبير. وإجابتهما معًا تعني أن ما يعلنه الشاعر بلسانه ينسجم مع ما يستقر في داخله. غير أن البيت التالي يعيد توجيه الدلالة نحو «الفكر والضمير»، فيغدو الجواب صادرًا عن وحدة الوعي العقلي والأخلاقي. وهنا يظهر تناص تراثي غير مباشر، إذ يستدعي الشاعر عبارة موروثة ثم يوظفها في بناء موقفه المعاصر.
إنْ صحَّ قولُهُمو فما مِنْ مَثْلَبٍ
مادامَ فكرُكَ والضَّميرُ تناغَما
لا ينفي الشاعر ما يقوله المعترضون نفيًا مطلقًا، بل يبدأ بصيغة شرطية: «إن صح قولهم». وحتى إذا صح وجود التعارض التاريخي والفلسفي، فإن ذلك لا يجعل تجربته الشخصية موضعًا للوم، ما دام فكره منسجمًا مع ضميره.
وتشكل كلمة «تناغما» مركز القصيدة الدلالي؛ لأنها لا تعني أن الفكر والضمير شيء واحد، بل إنهما صوتان مختلفان يؤلفان نغمة منسجمة. وبهذا ينقل الشاعر القضية من التطابق العقائدي إلى الصدق الأخلاقي. ويكشف البيت نفسيًا أن سلام الذات لا يتوقف على رضا الجماعة، بل على اتساق الإنسان مع نفسه؛ فالذات تتجاوز ضغط الآخرين من خلال مصالحة داخلية لا تشعر معها بالانقسام بين الإيمان والقناعة الاجتماعية.
فاللهُ قد خلقَ العقولَ وصاغَها
هو خيرُ مَنْ يهدي وخيرٌ حاكما
يدعم الشاعر موقفه بحجة إيمانية: إذا كان الله قد خلق العقل، فإن استعماله في التأمل والنقد لا يناقض الإيمان. فالعقل ليس خصمًا للدين، بل قدرة إنسانية تدخل في نظام الخلق. ويجمع البيت بين «العقول» و«الهداية»، رافضًا الفصل الحاد بين التفكير والإيمان؛ فالإنسان يستطيع أن يستعمل عقله بحرية مع احتفاظه بمرجعية روحية وأخلاقية.
وتقوم فلسفة البيت على التكامل لا الإلغاء: فالهداية لا تعطل العقل، والعقل لا ينفي الحاجة إلى القيمة والغاية. ومن هنا يمهد البيت للجمع اللاحق بين «روح» تقود الإنسان و«عقل مبصر ومفكر» يختبر الطريق.
حتَّى رهينُ المحبسينِ تراكمَتْ
فيهِ الفؤوسُ ففجَّرَ المتراكِما
يحيل «رهين المحبسين» إلى أبي العلاء المعرّي، والمحبسان هما العمى ولزوم البيت، وقد أضاف إليهما المعرّي في بعض شعره محبس الجسد. ويستحضره الشاعر بوصفه رمزًا للعقل المتأمل الذي واجه المألوف بالسؤال والمحاججة.
أما «الفؤوس» فترمز إلى الضغوط والاتهامات والأسئلة التي تنهال على العقل المفكر. والمفارقة أن تراكمها لا يؤدي إلى إسكات الفكر، بل إلى تفجير ما تراكم فيه. وبذلك تتحول أداة القمع إلى دافع لإطلاق القول، ويصبح المعرّي تمهيدًا للانتقال من الإشارة إلى صاحب النص إلى الاقتباس المباشر منه.
«إنْ صحَّ قولُكما فلسْتُ بخاسرٍ
أو صحَّ قولي فالخَسارُ عليكما»
ينتقل التناص هنا من الإشارة إلى الاقتباس الصريح. والبيتان جزء من قصيدة للمعرّي تبدأ بمحاورة المنجّم والطبيب اللذين يقولان إن الأجساد لا تُحشر، فيرد عليهما بأن صحة قولهما لا تجعله خاسرًا، بينما تكون الخسارة عليهما إذا صح قوله في الحشر.(2)
ولا يمثل البيتان موقفًا شكيًّا محضًا، ولا يصوران المعرّي واقفًا في مواجهة المؤمنين؛ لأنهما يقدمان، في سياقهما الأصلي، محاججة عقلية تنحاز إلى الإيمان بالحشر. ويستثمر عبد الستار نورعلي هذا التناص ليؤكد أن الإيمان لا يقتضي تعطيل العقل، وأن التفكير يستطيع أن يكون سبيلًا إلى ترسيخ القناعة الروحية، لا نقيضًا لها. ومن ثم يؤدي استحضار المعرّي وظيفة مركزية في القصيدة؛ إذ يدعم رؤية الشاعر إلى إمكان التناغم بين الفكر والإيمان.
الانتقال إلى الجواب المباشر
يفصل الشاعر بين قسمي القصيدة بعبارة نثرية يوجهها إلى «المندهشين والمندهشات، والمعارضين والمعارضات، والمصدومين والمصدومات». وتوسع هذه العبارة دائرة الخطاب، كما تحمل نبرة ساخرة خفيفة من المبالغة في الاستغراب من موقفه.
ويؤدي هذا الفاصل وظيفة بنيوية؛ فالقسم الأول يعرض الاعتراض ويرد عليه بالحجة والاستشهاد، بينما ينتقل القسم الثاني إلى إعلان موقف الشاعر مباشرة. ويصاحب ذلك تغير القافية من الألف والميم، مثل «تسالما» و«تناغما» و«عليكما»، إلى الراء المضمومة، مثل «أخسرُ» و«يكبرُ» و«تُصهرُ» و«يُقبرُ». ويعزز هذا التحول الانتقال من الجدل مع الآخرين إلى تقرير رؤية الذات.
لا يعجبَنْ أحدٌ، فإنِّي أنظُرُ
متأمِّلاً مُتفحِّصاً لا أخسَرُ
يؤكد الشاعر أن جمعه بين البردين ليس نتيجة جهل أو تقليد، بل ثمرة نظر وتأمل وتفحص. وترسم الكلمات الثلاث درجات متصاعدة في المعرفة: فالنظر بداية الإدراك، والتأمل تعمق فيه، والتفحص اختبار نقدي لما يعرض على العقل.
أما «لا أخسر» فتستعيد صدى قول المعرّي في المقطع السابق، فلا ينتهي الاقتباس عند حدوده المباشرة، بل يمتد أثره إلى صوت الشاعر نفسه. غير أن العبارة تكتسب هنا معنى أوسع؛ فالتفكير الحر لا يمثل خسارة، بل يحمي الإنسان من الجمود ويمنحه القدرة على اختيار موقفه بوعي.
دُنيايَ في عينيْ وقلبيْ مُفعَمٌ
بالنُّورِ ينبضُ بالأمانِ ويكبرُ
ينتقل الشاعر من المحاججة إلى وصف عالمه الداخلي. فالعين تحيل إلى رؤية الواقع الخارجي بما فيه من فقر وصراع، والقلب يحيل إلى الباطن المفعم بالإيمان والطمأنينة، بينما يجمع النور بين المعرفة والهداية.
ويعيد البيت تصوير العلاقة بين البردين: فالعين المنفتحة على العالم تمثل الوعي النقدي، والقلب الممتلئ بالنور يمثل البعد الروحي. ولا يلغي أحدهما الآخر؛ إذ تواجه الذات الواقع من غير أن تفقد أمانها الداخلي. ومن الناحية النفسية، تبلغ الذات هنا مرحلة الطمأنينة بعد أن بدأت القصيدة تحت ضغط سؤال الآخرين.
ما ضرَّ إنْ كانَ الَّذي أسرى بنا
روحٌ، وعقلٌ مُبصِرٌ، ومُفكِّرُ!
يطرح الشاعر سؤالًا إنكاريًا: ما الضرر في أن يقود الإنسان روح مؤمنة وعقل مبصر مفكر؟ واختيار الفعل «أسرى» يمنح الرحلة الفكرية إيحاءً روحيًا، ويفتح اللفظة على الذاكرة الدينية من غير أن تتحول إلى اقتباس مباشر.
ولا يجعل الشاعر الروح بديلًا للعقل، ولا العقل نافيًا للروح، بل يجعلهما شريكين في قيادة الإنسان. كما ينقل صفة الإبصار من العين إلى العقل، ليؤكد أن الرؤية الحقيقية لا تقتصر على مشاهدة الأشياء، بل تشمل فهم معانيها وعلاقاتها. وهنا تبلغ المصالحة النفسية والفلسفية أوضح صورها: الروح تمنح الإنسان قيمته ووجهته، والعقل يمنحه القدرة على الفحص والتمييز.
هذي الحياةُ: مسيرةٌ وتجدُّدُ
لا شيءَ يبقى والفواصلُ تُصهَرُ
يعبر البيت عن رؤية ترى الحياة حركة وتحولًا مستمرين، لا ثباتًا وجمودًا. وهي رؤية تقترب من التفكير الجدلي الذي ينظر إلى الظواهر في تغيرها، كما تنسجم مع خبرة روحية ترى الحياة رحلة متجددة.
وترمز «الفواصل» إلى الحدود الصلبة التي تفصل بين الأفكار والهويات، بينما يدل «الصهر» على إعادة تشكيلها. ولا يعني ذلك أن الاختلافات الفلسفية تختفي، بل إن التجربة الإنسانية تستطيع تجاوز الحواجز التي تمنع التفاعل بينها. وهكذا تصبح ذات الشاعر بوتقة يلتقي فيها البعد الروحي بالوعي الاجتماعي من غير أن يفقد أي منهما خصوصيته.
أَوَ لمْ يقلْ ذاكَ النَّقيُّ الطَّاهرُ:
«لو كانَ في الفقرِ الرُّجولةُ يُقبَرُ»
يختم الشاعر قصيدته باستحضار قول مأثور شائع في ذم الفقر، ويرجح أن عبارة «ذاك النقي الطاهر» تحيل إلى الإمام علي بن أبي طالب، الذي تُنسب إليه مقولة «لو كان الفقر رجلًا لقتلته»، وإن لم تثبت هذه النسبة في مصدر قديم موثوق. لذلك يقوم البيت على تناص مع قول شائع في الذاكرة الثقافية، بصرف النظر عن ثبوت نسبته التاريخية.
ولا ينقل الشاعر المقولة بحروفها، بل يعيد صياغتها لتلائم قافية الراء وبنية البيت، فيتحول التناص من اقتباس إلى إعادة إنتاج. والمقصود رفض الفقر بوصفه حالة تسلب الإنسان كرامته، لا إدانة الفقير أو الانتقاص منه. ويمثل هذا البيت نقطة الالتقاء العملية بين «بُرد الصلاة» و«بُرد ماركس»: فالقيمة الدينية تدعو إلى صيانة كرامة المحتاج ورفع الظلم عنه، بينما يكشف الفكر الماركسي البنى الاجتماعية والاقتصادية المنتجة للفقر. وبذلك تنتهي القصيدة لا عند الجدل النظري، بل عند الإنسان وحقه في حياة كريمة.
التناص ووظيفته في بناء الدلالة
لا يظهر التناص في «البُرْدان» بوصفه زينة ثقافية تضاف إلى النص، بل بوصفه عنصرًا مكوّنًا لبنيته وحجته. فالعنوان نفسه يعيد إنتاج «البردين» الواردين في أبيات المعرّي، ثم يحولهما من رداءين في سياق الطهارة والصلاة إلى علامتين على مرجعيتين تتجاوران داخل الذات. ويقوم هذا التحويل على الاحتفاظ باللفظة القديمة مع نقلها إلى سؤال فكري معاصر.
ويتخذ التناص في القصيدة أشكالًا متعددة: فهو تناص إشاري في لقب «رهين المحبسين»، وتناص اقتباسي في بيتي «إن صح قولكما»، وتناص مأثوري في «الأصغران»، وتناص تحويلي في البيت المتصل بالفقر. وإلى جانب ذلك، يعمل اسم «ماركس» بوصفه تناصًا فكريًا مكثفًا؛ فالاسم لا يحيل إلى شخصه وحده، بل يستدعي منظومة من المفاهيم المرتبطة بنقد الاستغلال والفقر والصراع الاجتماعي.
كما يتشكل النص من حوار بين معجمين: معجم ديني يضم الصلاة والله والهداية والروح والضياء والنور، ومعجم فكري واجتماعي يضم ماركس والعقل والتفحص والتجدد والفقر. ومن تفاعل المعجمين تنشأ هوية القصيدة، فلا يُستدعى التراث لإغلاق السؤال بسلطة الماضي، ولا يُستدعى ماركس لنفي البعد الروحي، بل يدخل الطرفان في حوار غايته الدفاع عن حرية العقل وكرامة الإنسان.
وتتمثل أهم وظائف التناص في منح تجربة الشاعر الشخصية عمقًا ثقافيًا وتاريخيًا. فصوت الذات لا يبقى منفردًا أمام المعترضين، بل يدخل في حوار مع المعرّي والمأثور العربي والذاكرة الدينية والفكر الماركسي. وبذلك يصبح التناص نفسه صورة فنية لفكرة «البردين»: اجتماع أصوات مختلفة داخل نص واحد من غير أن يفقد كل صوت خصوصيته.
خاتمة
تدافع قصيدة «البُرْدان» عن حق الإنسان في تكوين هوية فكرية وروحية متعددة المصادر. وقد بنى عبد الستار نورعلي قصيدته على حركة تبدأ باستغراب الآخرين من اجتماع «بُرد الصلاة» و«بُرد ماركس»، ثم تنتقل إلى جواب الذات التي تحتكم إلى تناغم الفكر والضمير، وتنتهي بإبراز الروح والعقل شريكين في فهم الحياة وتوجيهها.
وتنجح القصيدة في بناء رمز مركزي واضح هو «البُرْدان»، وفي تحويل تجربة فكرية شخصية إلى سؤال إنساني أوسع. كما يصنع الانتقال من صور الدم والدوامة والحيرة إلى الضياء والنور والأمان حركة دلالية ونفسية تتجه من الصراع والاضطراب إلى المصالحة والطمأنينة. وتتضافر مع ذلك شبكة من التناصات تبدأ من العنوان، وتمر بالمأثور العربي وأبيات المعرّي، وتنتهي بالقول الشائع في ذم الفقر، فتمنح النص امتدادًا يتجاوز التجربة الفردية.
ولا تسعى المصالحة التي تقترحها القصيدة إلى حل جميع التناقضات الفلسفية بين الدين والماركسية أو إثبات التطابق بينهما، بل تتجاوز حدة التعارض من خلال التركيز على المشترك الأخلاقي، ولا سيما الدفاع عن كرامة الإنسان ورفض الظلم والفقر. وهذا ليس نقصًا في النص؛ لأن القصيدة ليست بحثًا في تاريخ الفلسفة، وإنما تعبير شعري عن تجربة ذاتية تحاول الجمع بين الإيمان بالعدالة والتفكير النقدي.
أما المقطع النثري الفاصل، فيؤدي وظيفة واضحة في الانتقال من عرض اعتراضات الآخرين إلى إعلان موقف الشاعر مباشرة، وإن قطع قليلًا انتظام الإيقاع. ويظل البيت الأخير شديد التكثيف من الناحية التركيبية ويحتاج إلى قراءة متأنية، غير أن دلالته العامة تنسجم مع رؤية القصيدة في رفض الفقر وإذلال الإنسان.
وبذلك لا يدل البردان على انقسام الذات، بل على سعيها إلى التكامل: يمنحها أحدهما أفقًا روحيًا وأخلاقيًا، ويمنحها الآخر وعيًا نقديًا بالظلم الاجتماعي. وما يجمعهما في النهاية هو الإنسان نفسه: عقله وضميره وكرامته وحقه في التحرر من الفقر والخوف.
الهوامش
(1) عبد الستار نورعلي، «البُرْدان»، صحيفة المثقف، 8 أيلول/سبتمبر 2026. وقد أُرفقت بالنص أبيات المعرّي كاملة، ومنها الأبيات التي تذكر الثوب والصلاة و«البردين»:
https://www.almothaqaf.com/nesos/989783-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B1-%D9%86%D9%88%D8%B1%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8F%D8%B1%D9%92%D8%AF%D8%A7%D9%86
(2) أبو العلاء المعرّي، لزوم ما لا يلزم، قصيدة «قال المنجّم والطبيب كلاهما»، وانظر النص الكامل المثبت في ذيل نشر قصيدة عبد الستار نورعلي المشار إليه في الهامش السابق.

اترك رد