منبر العراق الحر : ….كاتب وباحث في الشأن السياسي….
في البحر، أصبحت ناقلات النفط هدفاً، وفي الموانئ ارتفعت كلفة التأمين، وعند مضيق هرمز لم تعد حركة الطاقة العالمية مسألة تجارية بحتة. برميل النفط الذي يعبر ممراً بحرياً ضيقاً يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى ورقة ضغط سياسية، وسلاح اقتصادي، وسبب لارتفاع الأسعار في قارات بعيدة عن المنطقة التي تدور فيها المعارك.
الأيام الأخيرة أعادت تذكير العالم بهذه الحقيقة بقسوة. اضطراب حركة النفط في الخليج، وارتفاع أسعار الشحن إلى مستويات قياسية، واستمرار المخاطر حول هرمز وباب المندب، دفعت أسواق الطاقة إلى حساب كل برميل وكل ميل بحري من جديد. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن اضطرابات الشرق الأوسط دفعت إنتاج النفط العالمي إلى انخفاض كبير خلال 2026، في وقت تجاوز فيه سعر برنت حاجز المئة دولار للبرميل مجدداً.
والمثير في الأمر أن العالم يخوض في الوقت نفسه حرباً أخرى أقل ضجيجاً، لا تستخدم فيها الصواريخ ولا الطائرات، وإنما المختبرات والحواسيب والمغناطيسات العملاقة والذكاء الاصطناعي.
إنها حرب على طاقة المستقبل.
فبينما تقاتل دول المنطقة اليوم من أجل النفط والغاز وممرات تصديرهما، تتحرك القوى الكبرى نحو سؤال أكثر عمقاً: ماذا سيحدث إذا استطاع العالم إنتاج كميات هائلة من الطاقة من مصدر لا يعتمد على آبار النفط ولا خطوط الغاز ولا مضيق بحري؟ هنا تظهر الصين، ومعها مشروعها الذي أطلق عليه الإعلام اسم «الشمس الاصطناعية».
في يناير 2025 حقق جهاز EAST الصيني رقماً قياسياً عالمياً عندما حافظ على بلازما عالية الحصر لمدة 1,066 ثانية، أي قرابة 18 دقيقة، في تجربة تعد خطوة مهمة في الطريق الطويل نحو الاندماج النووي المستقر. لكن أهمية التجربة لا تكمن في الرقم وحده؛ فالمشكلة الكبرى في الاندماج لم تكن يوماً مجرد الوصول إلى درجات حرارة هائلة، وإنما الحفاظ على البلازما والسيطرة عليها وإدارة الطاقة والمواد والوقود في نظام يمكن أن يعمل بصورة مستمرة.
والصين لم تتوقف عند EAST. فالاندماج النووي أصبح في خطتها الخمسية الخامسة عشرة 2026–2030 جزءاً من مفهوم «الصناعات المستقبلية»، بعدما كان مصنفاً في الخطة السابقة ضمن التقنيات الاستراتيجية المتقدمة. وهذا التحول في التصنيف يحمل دلالة سياسية واقتصادية: بكين لم تعد تتعامل مع الاندماج باعتباره مشروعاً علمياً بعيداً، بل باعتباره أحد رهانات الصناعة والتكنولوجيا والطاقة في العقود المقبلة.
والمرحلة التالية أكثر أهمية. فمشروعات مثل BEST تهدف إلى الاقتراب من مرحلة إثبات إمكانية توليد الكهرباء من الاندماج، أي الانتقال من سؤال «هل نستطيع إبقاء البلازما مستقرة؟» إلى سؤال «هل نستطيع تحويل هذا التفاعل إلى كهرباء؟».
وهنا يبدأ السباق الحقيقي.
فالولايات المتحدة لم تقف متفرجة. في أغسطس 2026 طرحت وزارة الطاقة الأمريكية خارطة طريق تستهدف تسريع نشر محطات اندماج مبكرة في منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، مع تركيز على البنية التحتية، والمواد، ودورة الوقود، والهندسة، والحوسبة والذكاء الاصطناعي.
وهذا يكشف أن المنافسة لم تعد بين مفاعلات فقط، وإنما بين منظومات كاملة.
الصين تمتلك قاعدة صناعية ضخمة، واستثمارات حكومية طويلة الأمد، وسلسلة واسعة من الصناعات المرتبطة بالطاقة والتصنيع المتقدم. والولايات المتحدة تمتلك جامعات ومختبرات وشركات تكنولوجية ورأس مال خاص وقدرة هائلة على دمج الذكاء الاصطناعي والحوسبة والمواد المتقدمة في مشاريع الطاقة.
وفي الخلفية تقف روسيا، التي ما زالت واحدة من أكبر القوى العالمية في النفط والغاز والطاقة النووية، بينما تحاول أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية أيضاً الحفاظ على موقعها في سباق التكنولوجيا والطاقة. لذلك فإن المسألة ليست «صيناً ضد أمريكا» فقط، بل إعادة تشكيل تدريجية لخريطة القوة العلمية والصناعية في العالم.
لكن الشرق الأوسط يبقى الحلقة الأكثر إثارة في هذه المعادلة.
فالصين التي تستثمر في طاقة المستقبل هي نفسها واحدة من أكبر مستوردي النفط في العالم، وتعتمد بدرجات مختلفة على تدفقات الطاقة القادمة من الخليج. ولذلك فإن أزمة هرمز لا تضرب فقط اقتصادات الخليج أو الدول الغربية، وإنما تكشف هشاشة النظام الذي تعتمد عليه الاقتصادات الآسيوية الكبرى أيضاً.
وقد بدأت الصين خلال السنوات الماضية ببناء طبقات متعددة من الحماية أمام هذه الهشاشة: زيادة الإنتاج المحلي، وتوسيع التخزين الاستراتيجي، وتنويع طرق الاستيراد، وزيادة الاعتماد على السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية. وتشير تقارير حديثة إلى أن شركات النفط الصينية أنفقت مئات المليارات من اليوان لتعزيز أمن الطاقة وتقليل تعرض البلاد للصدمات الخارجية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
الدول التي تخوض اليوم صراعات على النفط بدأت في الوقت نفسه تستثمر في عالم قد يقلل من أهمية النفط مستقبلاً.
وهذا لا يعني أن النفط سينتهي غداً، ولا أن الاندماج النووي سيحل محل النفط والغاز خلال سنوات قليلة. ما زالت أمام الاندماج تحديات ضخمة تتعلق بالمواد، والحرارة، والتريتيوم، واستقرار البلازما، والصيانة، والكلفة، وتحويل الطاقة التجريبية إلى كهرباء تجارية موثوقة.
لكن الاتجاه الاستراتيجي أصبح واضحاً: الطاقة لم تعد مجرد سلعة تستخرج من باطن الأرض؛ إنها أصبحت تكنولوجيا.
ومن يمتلك التكنولوجيا يستطيع أن يقلل اعتماده على من يملك المورد.
هذه النقطة تحديداً تستحق أن تتوقف عندها الدول النفطية، وفي مقدمتها العراق.
العراق يعيش اليوم على اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط، فيما أثبتت أزمات المنطقة أن امتلاك النفط وحده لا يعني امتلاك أمن الطاقة. فالإنتاج قد يتوقف، والتصدير قد يتعطل، والممرات البحرية قد تصبح مناطق نزاع، والأسعار نفسها يمكن أن تتحول من نعمة إلى مصدر اضطراب عندما تهبط أو ترتفع بصورة حادة.
المشكلة ليست في النفط؛ المشكلة في أن يبقى النفط هو الإجابة الوحيدة.
العراق يستطيع أن يستفيد من موارده الحالية لبناء اقتصاد طاقة أكثر تنوعاً: الغاز، والطاقة الشمسية، وشبكات الكهرباء الحديثة، والصناعات المرتبطة بالطاقة، والبحث العلمي، والتعليم التقني. فالنفط يمكن أن يمول الانتقال إلى المستقبل، بدلاً من أن يصبح سبباً لتأجيله.
والسؤال نفسه ينطبق على دول الخليج، وإن بدرجات مختلفة. فالأموال التي تأتي من الطاقة التقليدية يمكن أن تتحول إلى استثمارات في التكنولوجيا والطاقة الجديدة، وهو ما بدأت دول عدة في المنطقة فعله بالفعل.
العالم إذن يقف أمام مشهد مزدوج.
في أحد طرفيه ناقلات نفط تنتظر عبور المضائق، وصواريخ تهدد المنشآت، وأسواق تراقب أسعار البرميل، وحكومات تبحث عن طرق بديلة لإيصال الطاقة.
وفي الطرف الآخر مختبرات مغلقة تعمل على حبس بلازما تبلغ حرارتها ملايين الدرجات، وحواسيب فائقة تحاول فهم سلوكها، ومغناطيسات فائقة التوصيل، وشركات ومؤسسات حكومية تنفق مليارات الدولارات على سؤال قد يبدو بعيداً اليوم لكنه قادر على تغيير قواعد القوة غداً.
لهذا فإن حروب الطاقة التي نراها في الشرق الأوسط وأوروبا ليست سوى وجه واحد من القصة.
الوجه الآخر يجري بصمت.
هناك من يقاتل من أجل آخر برميل يمكنه الوصول إلى السوق، وهناك من يحاول صناعة طاقة لا تحتاج إلى ذلك البرميل أصلاً.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن بعض الدول التي تتصارع اليوم على ممرات النفط هي نفسها التي تمول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الانتقال إلى عالم قد تصبح فيه قيمة تلك الممرات مختلفة عما نعرفه الآن.
الحروب الحالية تدور حول طاقة الماضي.
أما المعركة الحقيقية التي ستحدد شكل القرن المقبل، فقد تدور حول من يمتلك القدرة على صناعة طاقة المستقبل.
ومن يربح سباق «الشمس» لن يحتاج بالضرورة إلى امتلاك أكبر حقول النفط… بل قد يصبح هو من يحدد ثمن الطاقة نفسها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر